عظام الفلسطينيين قبل 3000 عام في عسقلان تكذب نتنياهو .. مقبرة عسقلان تكذّب نتنياهو و"الآثار الإسرائيلية"

العربي الجديد0

عدد القراء 206

تلقّت المدرسة التوراتية في علم الآثار ضربةً قاصمة في 4 "يوليو/ تموز" الحالي، قد تكون المسمار الأخير في نعشها، بعد إعلان نتائج تحليلات رفات مقبرة الفلسطينيين القدماء في مدينة عسقلان العائدة لمطلع العصر الحديدي (من 1200 قبل الميلاد إلى 800 قبل الميلاد)، فهذه المدرسة مارست، قرنا ونصف القرن، مختلف صنوف القولبة، والتزييف، والعبث بالأدلة، و"الإرهاب الأكاديمي"، بغرض واحد وحيد، إثبات تاريخية الرواية "التوراتية" لأحداث الشرق القديم. ولكن نتائج التحليلات التي نشرتها المجلة التي تصدرها الرابطة الأميركية للعلوم المتقدمة (Science Advances Vol 5, No. 7, 03 July 2019)، جاءت بعكس آمال الفريق البحثي الكبير الذي قام بعمليات التنقيب، وأثبتت أن الفلسطينيين القدماء هم من نسيج المنطقة الجيني والحضاري، وليسوا قوماً همجياً وافداً من البحر. كما أثبتت نتائج تحليل الحمض النووي أن الفلسطينيين المعاصرين هم أعقاب أولئك القدماء، على الرغم من وجود تأثيراتٍ جينيةٍ طفيفة قادمة من أوروبا، ولكنها بقيت هامشيةً، ولم تعمّر على المدى الطويل. وكان لافتاً أن تكون التغطية الصحافية للحدث مجتزأة من النتائج، فركّزت على العنصر الأوروبي المفترض، الموجود في التركيبة الجينية، وتجاهلت العناصر المحلية المشرقية التي تشكل أعلى نسبةٍ في الرفات، بحيث بدا للقارئ غير المتخصص أن الرواية "التوراتية" عن شعوب البحر كأنها حقيقة علمية. 

وقد حرصت صحيفة "هآرتس الإسرائيلية"، في تغطيتها المميزة لنتائج البحث، على اللعب على الكلمات، حين كتبت أن المكونات الأوروبية في الرفات، على قلتها، تدعم وجهة النظر القديمة المستمدة من أصول "توراتية" عن أصول الفلسطينيين القدماء العائدة إلى بحر إيجة. كذلك كان سلوك وكالات أنباء عالمية غير مهني في تركيزه على الجزء الصغير من المكونات الآتية من جنوب أوروبا ليتم وضع عناوين كاذبة من نوع أصل الفلسطينيين من جنوب أوروبا (مثلما كتبت وكالة رويترز يوم الخميس 4 يوليو/ تموز الحالي). هي سقطة أخلاقية ومهنية كبرى، تسبّبت في تضليل مئات آلاف القراء غير المتخصّصين، وأوهمتهم بصحة "النظرية التوراتية"، بالاعتماد على معلوماتٍ مجتزأةٍ من الدراسة، ومعزولة عن سياقها المنطقي الصحيح. 

 

مارست المدرسة "التوراتية" مختلف صنوف القولبة، والتزييف، والعبث بالأدلة، و"الإرهاب الأكاديمي"

 


وحاول رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، أول من أمس الاثنين (8/7/2019)، تسويق تزوير نتائج الدراسة العلمية، فادعى في تغريدات له في "تويتر" أن أصل الفلسطينيين القدماء يعود إلى جنوبي أوروبا، في حين يعود أصل الفلسطينيين الحاليين إلى شبه الجزيرة العربية. وكتب: "تؤكد دراسة جديدة للحمض النووي تمت استعادتها من موقع فلسطيني قديم في مدينة عسقلان ما نعرفه من "الكتاب المقدس"، أن أصل الفلسطينيين القدماء موجود في جنوب أوروبا". وأضاف: "يذكر "الكتاب المقدس" مكانًا يدعى كافتور، وهو على الأرجح جزيرة كريت الحديثة،
 لا توجد صلة بين الفلسطينيين القدامى والفلسطينيين الحاليين الذين جاء أسلافهم من شبه الجزيرة العربية إلى أرض "إسرائيل" بعد آلاف السنين"، وادعى أيضاً "أن ارتباط الفلسطينيين بأرض "إسرائيل" ليس شيئًا، مقارنة مع 4000 عام من الارتباط بين الشعب اليهودي والأرض". وقد سارت على منوال "هآرتس" ونتنياهو صحف ومواقع إلكترونية عالمية وعربية، منها موقعا قناتي سكاي نيوز والحرة التلفزيونيتين، وغيرهما من مواقع كرّرت هذه القول، فبدا للقارئ العربي أن الأبحاث العلمية أكّدت أصول الفلسطينيين الغريبة عن المنطقة. وكان حريّاً بمحرّري المواقع العربية العودة إلى نتائج الدراسة نفسها، فهي متاحةٌ على شبكة الإنترنت وفيها معطياتٌ كمّيةٌ تؤكد انتماء فلسطينيي عسقلان إلى التركيبة الجينية المحلية، وإن داخلتها تأثيراتٌ أوروبيةٌ طفيفة غير متواصلة، مصدرها إيطاليا على الأرجح، ولم تأت نتيجة غزو أو احتلال بل نتيجة تفاعل حضاري


البداية 
لقد شكّل الإعلان عن اكتشاف مقبرة عسقلان قبل ثلاث سنوات الحدث الآثاري الأبرز خلال القرن الواحد والعشرين، بحسب التغطية الصحافية والإعلامية المواكبة للحدث، وكانت الآمال كبيرة من فريق العمل، المكون من تحالف أكاديمي، يضم باحثين من جامعة هارفارد، وكلية بوسطن، وكلية ويتون في إيلينوي، وجامعة تروي في ولاية ألاباما، في إيجاد الملامح الحضارية والجينية الخاصة بهذا الشعب القادم من وراء البحار، بحسب اعتقادهم. حتى أن مساعد رئيس البعثة، آدم آجا، قال للصحافة العالمية يومها: "لم نجد قبل هذا الاكتشاف فليستيين في مدينة فليستية.. الآن، أصبحت لدينا نواة، يمكننا أن نستند إليها، نحن نعرف أننا في أرض فليستية ونرى كيف عامل الفليستيون موتاهم. هذا يعد الكتاب الذي يحمل الرمز اللازم لفك شيفرة كل شيء آخر". وحول هوية الفليستيين القدماء، يتابع آجا شارحا للصحافة العالمية: "الفليستيون هم، على الأرجح، شعوبٌ قدمت من منطقة بحر إيجة، لكن مسقط رأسهم لا يزال قيد البحث". وذهبت عالمة الآثار شيري فوكس، المتخصصة في دراسة الرفات، إلى نفي أي علاقة لهؤلاء الفليستيين بالكنعانيين، وقالت للصحافة العالمية: "الحضارة الفليستية لم تنخرط كليّا بالحضارة الكنعانيّة، على الرغم من أنّهم عبدوا الآلهة الكنعانيّة"! .

ومنذ ذلك الوقت، كانت التصريحات الصحافية لفريق البحث تدور في فلك المفاهيم التي كرستها "المدرسة الآثارية التوراتية" التي ربطت، منذ أواسط القرن التاسع عشر، بين الفلسطينيين القدماء وشعوب البحر، إذ استندت إلى نص ورد في "سفر حزقيال" يقول: "فلذلك هكذا قال السيد الرب ها أنا أمد يدي على الفلستيّين وأستأصل الكرتيّين وأهلك بقية ساحل البحر وأجلب عليهم النقمة العظيمة وأسخطهم فيعلمون إني أنا الرب إذْ اجعل نقمتي عليهم". (حزقيال 25: 16: 17). وقد رسّخ علماء الآثار "التوراتيون"، بناء على هذا النص، أن الفليستيين هم قومٌ همجٌ من شعوب البحر، قدموا إلى أرض كنعان مع نهاية العصر البرونزي (1250 قبل الميلاد)، من جزيرة كريت اليونانية وبحر إيجة، كما تم ربطهم بنصوص مصرية قديمة تتحدّث عن شعوب البحر، وتصف قسوتهم وهمجيتهم بهدفٍ واحد؛ هو تصوير الفلسطينيين غزاةً أغرابا عن الأرض. وبالتالي، تدعيم نظرية الحق التاريخي الإلهي لليهود في أرض فلسطين، والذي استندت إليه الحركة الصهيونية في نسج أيديولوجيتها القائمة على فكرة أرضٍ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض

 

معطياتٌ كمّيةٌ تؤكد انتماء فلسطينيي عسقلان إلى التركيبة الجينية المحلية


نتائج الدراسة 

كيف حطمت نتائج تحليلات مقبرة عسقلان هذه المنظومة المتكاملة من الأدلة المقولبة وفق "النص التوراتي"؟ 

الجواب في العينات الجينية التي جُمعت من رفات المقبرة، إذ بيّنت النتائج المنشورة في مجلة "Science Advances" أن البنية الجينية للرفات العشرة (من أصل 108) التي استطاعت المخابر استخلاص الحمض النووي من عظامها يغلب عليها المكون الجيني المحلي الذي يرمز له بالرمز (levant_chl) المختلط بالمكوّن الغالب على الهضبة الإيرانية (iran_chl)، بينما يبدو المكون الأوروبي الذي يُفترض أنه قادم من اليونان (WHG) الأقل تأثيرا في التركيبة الجينية للرفات، حتى أنه ينعدم في بعض العينات. وقد بينت الدراسة بشكلٍ لا لبس فيه أن سلسلة الانتقال الجينية من العصر البرونزي (من 4200 إلى 1250 قبل الميلاد)، إلى العصر الحديدي (من 1250 إلى 600 قبل الميلاد)، أظهرت أن معظم أسلاف رفات عسقلان ينتمون إلى مجموعة موروثات بلاد الشام المحلية. وقد لاحظت الدراسة أن المكون القادم من أوروبا في العصر الحديدي يوحي بأن تدفّق الجين إلى عسقلان حدث إما في نهاية العصر البرونزي أو في بداية العصر الحديدي، ولكنه كان ذا تأثير محدود، لم يترك أثراً في البنية الجينية طويلة الأجل لرفات عسقلان، الأمر الذي يعني أنه لم يأت نتيجة غزو، بل نتيجة توسع وتبادل حضاري في حوض المتوسط.

 

علاقة مع جينات فينيقية وعمورية 

وتفيد نتائج العينتين الذكريتين "ASH008" و"ASH066" من عينات مقبرة عسقلان الأربع بأنهما من سلالة تحور جيني عمره 5600 عام، يرمز له بالرجل "Z2331"، وهذا الرجل أيضاً هو الجد لرفات أخرى أقدم من عينات عسقلان بحوالي ألف عام تخص أميراً فينيقياً عثر عليها في مقبرة صيدا الملكية تعود إلى العام 1800 قبل الميلاد، وتحمل الرقم "ERS1790733"، كما أنه الجد لرفات أخرى، عثر عليها في مقبرة عمورية في موقع عين غزال قرب عمّان في الأردن تعود إلى العام 2000 قبل الميلاد، وتحمل الرقم "AG98_1". وهو ما يؤكد على تواصل البنية الجينية للمنطقة من دون تغيّرات دراماتيكية ناتجة عن عمليات غزو وإحلال. والأهم من ذلك أن التحوّر الجيني الذي تنتمي له عينتا عسقلان المذكورتان، هو أيضاً الجد الجامع للعرب المعاصرين من أبناء السلالة "j1" من المحيط إلى الخليج. وللاطلاع على التحور الجيني Z233 الذي يجمع العرب المعاصرين من السلالة "J1" مع عينات عسقلان وصيدا وعين غزال على الرابط التالي في موقع المشجرة الجينية العالمية https://www.yfull.com/tree/J-Z2331/?fbclid=IwAR1IHYWmKpXywiCHmLEJU0jpoQx0FwmAzAhiaCoOKAFlSlqFI6FVcj8SKJs

ويجتمع أغلب العرب المعاصرين تحت التحور الجيني "Z2331"، وهو حفيد التحور الجيني "P58" الذي يرى فيه معظم علماء الجينولوجيا الجد الجامع للعرب والساميين من أبناء السلالة "J1". ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، سعت "المدرسة الآثارية التوراتية" إلى المطابقة بين شعوب البحر الذين يرد ذكرهم في الوثائق المصرية، وحاربهم رمسيس الثاني ورمسيس الثالث ومرنباتح، وغيرهم من فراعنة مصر، وساهموا في تدمير حواضر البحر المتوسط القديمة، والفلسطينيين القدماء الذين كانوا يستوطنون مدن عسقلان وأشدود وجت وغزة، على الرغم من أن أسماءهم وآلهتهم كنعانية، لا تختلف عن أسماء الصيدونيين والصوريين والأرواديين والقرطاجيين القدماء ومعتقداتهم. وكان تعليل علماء الآثار الصهاينة لذلك أن الفليستيين اندمجوا مع الكنعانيين، ونسوا أصولهم الإيجية بسرعة، وأنهم شعب سريع التعلم. وللاطلاع على تحليلات الرفات القديمة لصيدا وعين غزال وغيرها على الرابط  
https://docs.google.com/spreadsheets/d/1j_gbbh1psWPgoR8fol-6phvBkDCUKtKeTOJAq4RH6_c/htmlview
وحتى النقوش المنسوبة للفلسطينيين القدماء التي عثر عليها في عقرون وجت وعسقلان، وهي قليلة جداً، ومكتوبة باللغة الكنعانية، كانت تفسر تفسيراتٍ "توراتية"، تحاول أن تثبت رواية العهد القديم عن أحداث فلسطين في العصر الحديدي، حتى أصبحت الأصول الإيجية للفلسطينيين القدماء بمثابة المسلّمة غير القابلة للنقض

 

شكّل الإعلان عن اكتشاف مقبرة عسقلان الحدث الآثاري الأبرز خلال القرن الواحد والعشرين


ضربة صاعقة 

وبما أن الضربة لـ"المدرسة الآثارية التوراتية" كانت صاعقة، تم تأجيل الإعلان عن النتائج أكثر من عامين ونصف العام، بدعاوى شتى، منها اختلافات على التمويل، وعوائق إدارية، وما شابه ذلك. وللتخفيف من هول الصدمة، تمت صياغة مقدمة الدراسة العلمية لنتائج التحليلات بطريقةٍ ضخمت التأثيرات الأوروبية في البنية الجينية للفلسطينيين القدماء، في مقابل تجاهل العناصر المحلية الطاغية، وهي تخريجةٌ مراوغةٌ لحفظ ماء الوجه، بعد المقدمات القاطعة للبعثة الآثارية المشار إليها في مقدمة هذا المقال. بينما كانت خريطة البنية الجينية تشير، بما لا يدع مجالاً للشك، بتموضع عينات مقبرة عسقلان إلى جانب عينات تل أشدود وصيدا وعين غزال المغرقة في محليتها. لقد آن الأوان لإهالة التراب على "المدرسة التوراتية" في علم الآثار، بعد الضربات المتوالية التي تعرّضت لها، بدءاً من الأبحاث المهمة لمدرسة كوبنهاغن الآثارية، التي وضعها توماس تومسون ورفاقه، مروراً بظاهرة المؤرخين "الإسرائيليين" الجدد الذين نفوا علمياً وآثارياً فكرة "المملكة الإسرائيلية" القديمة الموحدة، ونظرية "الدخول التوراتية لأرض فلسطين"، وصولاً إلى نتائج التحليلات الجديدة التي تكتب الآن خاتمة غير مشرفة لهذه المدرسة التي استغلت نظرياتها لتبرير حروب الإبادة والتهجير "الإسرائيلية" بحق الشعب الفلسطيني.

 

المصدر : العربي الجديد

7/11/1440

10/7/2019

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+