صحيفة العراق الألكترونية : التجويع من اليرموك إلى الفلوجة .. ما جرى في حي البلديات في بغداد يجسد حقيقة موقف هذه القوى الطائفية

صحيفة العراق الألكترونية0

عدد القراء 3447

المطلعون على ما فعلته قوات الردع السورية في لبنان والتي يطلق عليها اسم قوات الردع العربية التي تم تشكيلها لوضع حد للحرب الأهلية في لبنان، على مدى فترة عملها هناك وما ارتكبته من فظائع ضد المقاومة الفلسطينية وتوجت ذلك بجريمة تل الزعتر والتي حصلت في 12 آب 1976 بعد حصار استمر لأكثر من ثمانية شهور وقتل فيه عدة آلاف من الفلسطينيين واللبنانيين السّنة، لا يصابون بالدهشة لما رأوه من صور مأساوية تدمي العيون والقلوب لضحايا مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين هذه الأيام من تجويع وحصار غذائي حتى الموت بتزامن مع حصار دوائي أقل ما يقال فيه أنه ظالم بلا حدود وتجاوز على كل القيم الإنسانية التي أقرتها المواثيق الدولية وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا يشابهه إلا ما جرى لأحد عشر ألفا من المعتقلين السوريين الذين عرضت مأساتهم في 55 ألف صورةوكان قد تم اعتقالهم في سجون سرية وتعرضوا للتجويع والتعذيب والقتل على أيدي قتلة محترفين ويجدون لذتهم في رؤية الآخرين يتعذبون حتى الموت، مما لا يمكن تصديق حدوث مثله في الألفية الثالثة.

والمفارقة الكبرى أن من ارتكب هذه الجرائم هم أطول الناس لسانا وأكثر الجهات حديثا عن محور الممانعة والمقاومة وعن تحرير فلسطين، مثل نظام الأسدين (الأب والابن) وإيران ومليشيا "حزب الله" وتراصف معهم في الجريمة لواء أبي الفضل العباس وهو تشكيل طائفي من العراق، فكانت هذه الجهات الأكثر دموية في التعامل مع الفلسطينيين في لبنان وفي سوريا وفي العراق أثناء احتدام الاقتتال الطائفي في الأعوام 2006 و2007 و2008، وما جرى في حي البلديات في بغداد يجسد حقيقة موقف هذه القوى الطائفية تجسيدا كاملا، حتى أن المراقبين السياسيين والصحفيين أجروا مقارنات بين ما ارتكبته "إسرائيل" وما ارتكبته قوى الممانعة والمقاومة فكانت النتيجة مؤسفة أن كفة جرائم المقاومة والممانعة هي التي ترجحت على جرائم "إسرائيل".

ما يجري حاليا في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق وما يجري في السجون والمدن السورية المختلفة، غير مستغرب أبدا من سلطة الأقلية المستقوية بالخارج لمواصلة القتل والتدمير والتي لم تبق مدينة أو حيا إلا وتركت فيه بصماتها السوداء عليه، من أجل تغيير الخارطة الاجتماعية والسكانية في سوريا وتحويلها إلى كانتون ملحق بالضاحية الجنوبية لبيروت.

ولأن القتلة أفلتوا من العقاب حتى الآن ولأن الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية والدول الكبرى ظلت صامتة إزاء ما يجري من سفك دماء وإبادة جماعية في المنطقة ولم تباشر دورها المنتظر لوضح حد لمعاناة الشعب السوري الذي تدمرت مدنه بكاملها وقتل منه أكثر من ربع مليون إنسان، ولأن أكثر من نصف سكان سوريا مهجرون داخل البلاد وخارجها، فإن نوري المالكي لم يجد حائلا يمنعه من استنساخ تجربة النظام السوري على مدن العراق طالما وجد أنه سينجو بفعلته من المساءلة الجنائية بعد أن حال بينها وبين أية مسؤولية أخلاقية، وسيفلت من أي عقاب قانوني، وطالما أن الحجة المطروحة على مستوى الإعلام الدولي هي نفس الحجة التي استخدمها بشار الأسد وهي حجة محاربة "الإرهاب".

المالكي استبق أحداث محافظة الأنبار بسلسلة من إجراءات القمع كان قد بدأها في محافظة ديالى وصلاح الدين وحزام بغداد وذلك بتسليط أعلى درجات الضغط الأمني بواسطة مليشيات طائفية وأجهزة حكومية مغلقة على مكون واحد ومؤلفة من عناصر مشردة ومحترفة للجريمة المنظمة من تزوير وقتل وإتجار بالمخدرات، وبعد أن شعر المالكي بأن الوضع قد أصبح تحت سيطرة الأجهزة الأمنية، باشر عملية عسكرية واسعة النطاق في غربي الأنبار، ولكنه ومن دون مقدمات نقل مركز العمليات من غربي الأنبار إلى قلب مدينة الرمادي مستندا إلى كذبة فاضحة روج لها بنفسه وساعده عليها محافظ الأنبار الحالي عندما قال بأن في ساحة الاعتصام في الرمادي 30 عنصرا من عناصر تنظيم القاعدة، وبموجب هذه الفرية طلب المحافظ تدخل الجيش لفض الاعتصام في مدينة الرمادي وحرق خيم المحتجين هناك، وبعد هذا التبادل في الأدوار بين رئاسة الحكومة وما تسمى بالصحوات والمحافظ، بدأت القوات الحكومية عملية عسكرية كبيرة على ساحة العزة والكرامة في الرمادي وعلى منزل النائب أحمد العلواني في خرق فاضح لكل ما تدعيه حكومة المالكي من مزاعم عن احترام للقواعد الدستورية والقوانين المرعية، وخاصة الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها العلواني ولم يتم نزعها عنها بالطرق الدستورية المتعارف عليها.

بعد ذلك تصاعد الموقف بصورة دراماتيكية فكشف المالكي عن الوجه القبيح لشركائه في العملية السياسية ونزع عنهم ورقة التوت التي حاولوا حماية عوراتهم بها، إذ حشّد كل ما يمتلك من قوة عسكرية مدعومة بمليشيات طائفية ودعم سياسي أمريكي تمثل بالإعلان عن نية الولايات المتحدة تزويد حكومة المالكي بأسلحة فتاكة مثل قنابل هيل فاير وطائرات استطلاع قتالية من دون طيار وطائرات هليكوبتر من نوع أباتشي، بالإضافة إلى دعم سياسي وبالفتوى الدينية من دولة الولي الفقيه، وباشر عملية واسعة النطاق بدأت بشن حصار مطبق على كل من الفلوجة والرمادي ومنعت عنهما الغذاء والدواء بصورة لا تقل وحشية عما حصل مع مخيم اليرموك في دمشق، وعرضتهما لحملات من القصف الجوي والمدفعي وكأنها تريد استنساخ خطط الأسدين (الأب والابن) في تدمير حماة ومن ثم حلب وريف دمشق وحمص، وغيرها من المدن السورية، ويبدو أن الصمت الدولي الذي تشترك فيه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية إزاء ما ترتكبه الدول ذات السجل الدموي والتي تمارس "إرهاب" الدولة هو الذي شجع الأخيرة على المضي في هذا السلوك الموغل في البدائية والهمجية، وجعل الشعوب تدفع ثمنا مضاعفا من دماء أبنائها وفرص تقدمها واستقرارها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

 

المصدر : صحيفة العراق الألكترونية

الافتتاحية 26/1/2014

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+