رسالة إلى الأموات ( في غزة لم أجد طوباً لدفن أختي ) - د- ناصر إسماعيل جربوع

فلسطينيو العراق1

عدد القراء 4343

http://www.paliraq.com/images/001pal/001pal-ka.BMP
 
http://www.paliraq.com/images//genocide95.jpg

كم محزن أن يفقد الإنسان شخص عزيز عليه فما بالكم إن كان الفقيد أخته الكبرى التي شاركت والديه في تحمل مشاق الحياة بعد هجرة 1948القسرية من مدينة يافا إلى مخيمات اللجوء ، تصارعت أختي الكبرى الغالية مع مرض السرطان أكثر من عامين، وكنت أري آلامها وصراعها واحتسابها وأنا اعتصر ألما ، واطلب منها الصبر والثبات واذكرها بابتلاء الله للمؤمنين ، حتى جاء وعد الله واخذ أمانته وصعدت روحها إلى خالقها ، ولكنى لم أتوقع ماذا سيحدث من رحلة المشاق الأخرى التي سأواجهها ، وظننت أن أمواتنا في غزة لازالوا يكرمون حتى في دفنهم كما قرأت مسبقا في كتب التفسير، فقد ورد في شرح مختصر خليل المالكي للخرشي قال: قال بعض علمائنا: إن إكرام الميت دفنه، وقد وردت السنة بذلك.

وعلى كلٍ فهذا المعنى صحيح، وهو استحباب تعجيل دفن الميت، وإن لم يثبت رفع هذا اللفظ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عليٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة يا علي لا تؤخرهنَّ: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً،وهذا القول دليلا ًقاطعا ًعلى إكرام الميت المسلم ولكن للأسف في غزة يبدو أن الأمر أصبح معكوساً ، حيث مرت علينا العديد من الشواهد رأيتها بأم عيني ، وجب أن أؤرخها للأجيال، وللتاريخ الاجتماعي حتى لا تنسي ، ففي غزة وبسبب الحصار الجائر المفروض علينا منذ أكثر من ثلاث سنين لا وجود للاسمنت ولا مواد البناء ، وخاصة صناعة الطوب اللازم لبناء القبور ، وطقوس دفن الميت اعتقد أنها تعتبر حد أدنى من متطلبات الكرامة الإنسانية ، بل نلاحظ أن بعض الطيور والحيوانات من يبحث عن طريقة لدفن موتاهم ،وهذا ما أشار إليه القران في قوله تعالى: ) قَالَ يَـاوَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أخي ) ( صدق الله العظيم ) .

فإذا كانت الطيور والحيوانات تبحث عن طريقة فضلى لموارة موتاهم فما بالكم بالإنسان المكرم من عند الله ، ألا يحق له أن يكرم حتى في موته ؟ ، أم الأمر يقف عندما نتحدث عن الإنسان الآخر في غزة ،غزة التي أصبح فيها الميت يدفن فوق الميت ؟! فكم من شهداء المجزرة الأخيرة التي حدثت في غزة - إبان أتون الحرب الأخيرة على غزة - من دفن فوق أبيه أو جدته أو أمه ، وكنت شاهداً على العديد من تلك المآسي حيث شاركت شخصيا في دفن ابن عمى الشهيد (محمد في قبر جدته أم خالد )، والمشاهد في غزة أصبحت كثيرة ومآسي دفن الموتى أصبحت تتكرر كل يوم مع المآسي الكبرى لغزة هاشم العربية المسلمة الخالدة ، ماتت أختي الكبرى صباح يوم الاثنين 14 – 4 2009 واعتقدت أن أمر دفنها يكون سهلاً ، ولكنى واجهت صعوبات لا توصف وتمنيت أنى لم أخلق في هذا القرن اللعين ! ففي البداية وجدت صعوبة في البحث عن مساحة في مقبرة الشهداء في مخيم البريج لدفنها ، وأخيرا وبشق الأنفس وبصعوبة تنقيبية وجدت مكان ، لا ادري كم من شخص دفن فيه فحفرنا قبرًا متواضعا يليق بتواضع وإيمان أختي، وجاءت الصعوبة الثانية في البحث عن طوب وحجارة واسمنت لإعداد القبر ، وأصبحت وكأني أنقب عن بترول أو أبحث في احد مناجم الذهب ، وأجريت مع العديد من الأصدقاء العديد من الاتصالات للبحث عن طوب وحجارة واسمنت ، واعتذر عن هذا الطلب الصديق والقريب ! وقال احدهم ما لنا إلا أن نهدم بقايا سور قديم ، ونستغل حجارته وطوبه لإعداد القبر ، وتبرع البعض بما كان لديه طوباً كان قد أعده لبناء غرفة متواضعة ، ولكنه توقف بفعل الحصار ! وبصعوبة بالغة لا يتخيلها عقل القرن الحادي والعشرون بنيت قبر أختي ، وودعتها بدمعتين دمعة الفراق الأبدي ، ودمعة المأساة التي طالت حتى أمواتنا في غزة ، وتنهدت أنا والحاضرين بقول (لا حول ولا قوة إلا بالله ولك الله يا غزة) .

ومن هنا أمسكت قلمي ووجهت معكم رسالة إلى الأموات ! ألا يكفى ما حل بنا في غزة ، الكل يموت ويحتضر وأمواتنا يموتون ألف مرة ؟! أما من آذان صاغية ؟ وقلوب رحيمة تشعر بأمواتنا وشهدائنا ، وجهت رسالتي للأموات لأني كتبت الكثير للأحياء فما من مجيب ! وأخشى يا أعزائي أن ينتقل قلمي بعد ذلك لمخاطبة الصخر والحجر ربما يستجيب ! بعد رسالتي للأموات فهل تعتقدون أن رسالتي ستصل للأموات أم بعد ؟!.

20/4/2009

د- ناصر إسماعيل جربوعكاتب باحث ومؤرخ فلسطيني

فلسطين غزة – البريج

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 1

  • احتسب الاجر عند الله ابرك اشكو امرك لله وعسى الله يصبر ياخوي

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+