عصر كورونا وغياب شبكات الأمان الصحي للفلسطينيين

العربي الجديد0

عدد القراء 151

بيسان عدوان

"الله غالب" كلمات تختزل هذا الانتظار المؤقت للموت أو النجاة. هذا لسان حال الفلسطينيين في مصر والعراق، تماما مثل أشقائهم في البلدين، فوباء كورونا لن يحتاج جواز سفر ولا تأميناً صحياً ولا مؤسسات صحية دولية أو وطنية أو منظومات صحية خاصة من الدول المضيفة. لن يحتاج إلى إقامة وأوراق ثبوتية، ولا إلى وضع خاص استثنائي لإغاثة اللاجئين. الفقراء وحدهم سيدفعون ثمن الأدوية وأدوات التطهير والغذاء المرتفع في زمن السوق السوداء. وسيدفع اللاجئون الثمن مضاعفا. سيفقدون أعمالهم الموسمية غير القانونية، ليس لهم تأمينات اجتماعية ولا تأمينات صحية أخرى، ليس لهم معاشات أيضا تؤمن لهم المؤن اللازمة والأدوية الوقائية في أيام العزل الحالية. الله وحده يرعاهم.

فقط خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في دول الطوق والضفة الغربية وقطاع غزة تشملهم وكالة غوث اللاجئين (أونروا) بعملها. رغم ما تواجهه هذه المؤسسة الدولية من أزمات مالية حادة وتقليص ممنهج لما تقدمه من إغاثة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نظرا للفساد وغياب الرقابة وتقاعس الدول الغربية عن سداد حصتها المالية لها للقيام بدورها العادي، فما بالكم في زمن الأزمة الكونية من اجتياح وباء كورونا العالم والشرق الأوسط.
خمسة ملايين لاجئ فلسطيني آخر في الدول نفسها، العربية والغربية، يعانون من تدني الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في الظروف العادية، نظرا للأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها تلك البلاد نفسها، ومع ارتفاع أعداد حالات الإصابة بـCOVID-19 في الشرق الأوسط، تُغلَق الحدود وتضع البلدان نفسها تحت الحصار، وتشل حركة وكالات الإغاثة والمنظمات الإنسانية لمواجهة التهديد الذي يمثِّله الفيروس على الأفراد المعرضين للإصابة، من اللاجئين والمشردين داخليّا في جميع أنحاء المنطقة. وفي الشرق الأوسط، حيث خدمات الرعاية الصحية ضعيفة، ثمة مخاوف لدى الفلسطينيين ذوي الأوضاع القانونية الهشة والمؤقتة من الانتشار السريع للفيروس، ومن قدرة الدول المضيفة وضعف إمكانياتها على تقديم العلاج أو المساعدات الطبية اللازمة.
أكثر من 89 ألف فلسطيني في مصر من حملة الوثائق الفلسطينية من كل الفئات، بدون شبكات أمان أو شبكات إغاثة فلسطينية أو دولية تقدم لهم، بجانب أكثر من 30 ألف فلسطيني من قطاع غزة يحملون جواز السفر الفلسطيني، أكثر من 40% منهم يتلقون رواتبهم من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله لا تشملهم المؤسسات الفلسطينية الصحية كمستشفى فلسطين بالتغطية العلاجية لأنهم خارج أراضي السلطة. بينما هناك 20% من الطلبة الفلسطينيين في الجامعات انقطعوا عن عائلاتهم وذويهم، وليس لديهم أي مخصصات مالية أو مخصصات صحية تشملهم في مصر غير ما يرسله إليهم الآباء في البلاد.
3500
فلسطيني هم من بقي من اللاجئين الفلسطينيين في العراق، يعيشون في أطراف مدن كبغداد والموصل والأنبار والبصرة وبعض المخيمات على الحدود العراقية التركية والعراقية السورية من أصل 35 ألف لاجئ فلسطيني في العراق، أولئك الذين تفننت الحكومات العراقية التي تلت الغزو الأميركي في إصدار القوانين التي تجردهم من أي امتيازات كانت الدولة العراقية تمنحها لهم من إقامة وعمل وسكن وصحة وتعليم كعقاب جماعي. وهم الذين هجروا مساكنهم وسكنوا الخيام مرة أخرى بعد القانون الذي أصدرته الحكومة العراقية بتجريدهم من المخصصات المالية الخاصة بالسكن التي تعهدت الدولة العراقية بتقديمها لمساعدة لاجئي العراق بموجب برتوكول الدار البيضاء 1965، هذا بجانب الالتزامات الأخرى التي تقاعست الدولة العراقية عن القيام بها.
تقول أم رامي (65 عاما)، وهي تسكن حي عين شمس شمال القاهرة، "يجري علينا اللي بيجري على المصريين. رح نلزم بيوتنا وبس، هيك هيك إذا صار شي حنروح المستشفيات اللي قالت عليها الحكومة". فيما تستسلم أم خالد (63 عاما) من حي البلديات في بغداد للوضع الراهن قائلة "لنا الله. الموت رح يكون أحن من هذا الوضع اللي نحنا فيه لا خدمات صحية ولا بيوت ولا شغل ولا شي. الله غالب".
يشار إلى أنّ اللاجئين الفلسطينيين من حملة وثائق السفر المصرية والعراقية غير مشمولين بخدمات وكالة "أونروا" أو المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR حيث عاملت حكومتا البلدين اللاجئين الفلسطينيين، معاملة المصريين والعراقيين فيما عدا الحقوق السياسية وممارستها، وصدرت عدة قوانين في فترة الستينيات تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في مصر والعراق.
لقد استمرت أوضاع الفلسطينيين في مصر على حالها، طوال حكم عبدالناصر، وفي السنوات الخمس الأولى من حكم السادات. وفي يوليو 1978، صدر قرار من رئيس "الجمهورية"، رقم 47 و48 لسنة 1978، بإلغاء القرارات التي كانت تعامل الفلسطينيين معاملة المصريين، كما حظرت وزارة القوى العاملة تشغيل الأجانب، ومن ضمنهم الفلسطينيون، في الأعمال التجارية والاستيراد والتصدير، واشترطت شروطا وإجراءات شديدة التعقيد لمن يقوم بتشغيل الفلسطيني، مما جعلهم عرضة لشروط العمل غير الرسمي والموسمي في مصر.
في مسألة الحقوق الصحية لا توجد لوائح مصرية تحد حصول الفلسطينيين على الرعاية الصحية في مصر من مستشفيات حكومية أو خاصة ومؤسسات صحية أهلية، فقط الأدوية والعلميات الجراحية لا تخضع لأي تغطية للاجئين الفلسطينيين في مصر. يتلقى الفلسطينيون الذين يعملون أو كانوا يعملون لدى الحكومة المصرية العلاج الطبي المجاني. على الرغم من أن أسرهم غير مغطاة، إلا أن الأشخاص غير المؤمن عليهم، سواء كانوا مصريين أو فلسطينيين، يدفعون رسوما متواضعة للعلاج في المستشفيات العامة. كما أن الفلسطينيين مشمولون ضمن برنامج العيادات الصحية للأمومة والرعاية المبكرة للأطفال، أما الحليب المخصص للأطفال فهم غير مشمولين بالحصول عليه، الأمر الذي يعرضهم لأسعار السوق السوداء.
عبير. س (31 عاما) من حلوان جنوب القاهرة، أم فلسطينية لديها ثلاثة أطفال، تخبرنا أن كل أبنائها تلقوا اللقاحات الخاصة بالأطفال من العيادات الصحية الخاصة بالأمومة والطفولة من دون تفريق بينها وبين الأم المصرية، فهذه الخدمة مقدمة لأي أم وطفل، خاصة لقاح شلل الأطفال، أما الحليب المخصص للأطفال في الأشهر الأولى فيصرف للمصريين حصراً، وتكلف العلبة الواحدة 15 جنيها، وقد وصل سعر العلبة الواحدة إلى 100 جنيه، ونحن مضطرون لشرائها.
رغم عدم وجود قيود تعرقل الخدمات الصحية للفلسطينيين في مصر في مستشفيات الدولة، لكن نظرا لعدم جودة الخدمات الصحية المقدمة للمصريين أنفسهم، يلجأ العديد من الفلسطينيين إلى العيادات الخاصة في حالات الطوارئ أو في الحالات الحرجة فقط، إلا أن الفلسطينيين المقيمين في الشرقية والإسماعيلية ومحافظة الوادي الجديد يلجأون إلى الوحدات الصحية الرسمية لتلقي الخدمة الصحية، ولكن الأدوية لا تصرف لهم.
لا صحة. لا تعليم. لا إقامة. لا سكن. بجانب التهديد والقتل الطائفي والاعتقالات بمثابة الحياة اليومية للفلسطينيين في العراق "لا توجد خدمات صحية، ولا صرف صحي، ولا بيوت، مش قادرين ندفع إيجارات بعد القوانين الجديدة. كيف بدنا نتعالج، مفيش غير طبيب فلسطيني في الحي وممنوع يمارس المهنة هو اللي بنروحله لو حدا صار له شي. والدوا الله بيدبرها من بعض الأخوان العراقيين اللي عاشوا معنا العمر كله" هكذا تحكي أم خالد في بغداد عن الوضع الصحي لهم في بغداد.
يفتقر واقع اللاجئين الفلسطينيين في العراق إلى مؤسسات أو جمعيات فلسطينية رسمية تعمل لخدمة اللاجئين. وكانت مؤسسة الأكناف للإغاثة والتنمية في الماضي تقوم بخدمة أكثر من 10 آلاف لاجئ منذ 2005 ولغاية نهاية 2010، حين تعرض موظفوها للقتل والاعتقال والتهديد، مما اضطر القائمين عليها إلى إغلاقها ومغادرة البلاد، وفي السنوات الثلاث الأخيرة قامت رابطة فلسطينيي العراق بتقديم الخدمات للاجئين من مساعدات غذائية في بغداد والموصل وأربيل.
يعاني اللاجئون الفلسطينيون في العراق من مشاكل كثيرة أبرزها إلغاء قرار 202 لعام 2001 والذي ينص على أن يعامل الفلسطيني معاملة العراقي، والذي كان ينظم حياة اللاجئين ولكن بعد صدور قانون 76/ 2017 تغيرت الأمور كثيرا في حياة اللاجئين، وأبسطها حجب البطاقة الغذائية، إضافة إلى حرمان عائلة الموظف المتقاعد من الاستفادة من راتبه التقاعدي، كما يعانون من تغير البطاقة الرسمية الوحيدة التي يتجول فيها اللاجئ، وهي هوية الإقامة التي تجدد كل خمس سنوات من مقيم إلى لاجئ، وبالتالي أصبح اللاجئ الفلسطيني في العراق يعيش من دون قانون واضح وصريح ينظم حياته.
بدأت الحكومة العراقية بتضييق الخناق على اللاجئين الفلسطينيين في العراق، من خلال المصادقة على رزمة إجراءات، من بينها حجب البطاقة الغذائية الشهرية عن هؤلاء اللاجئين، ومنع الحقوق التقاعدية للفلسطيني المتوفى، وحرمان ورثته من امتيازاته، وإعادة فرض رسوم الصحة والتعليم والخدمات المختلفة بعد أن كانوا معفيين منها.
غياب م. ت. ف والسلطة لإغاثة اللاجئين في مصر والعراق
قامت وزراة الخارجية الفلسطينية في رام الله منذ أيام بإصدار قرار لكل السفارات الفلسطينية في العالم بالتأهب وعمل خط طوارئ لتوجيه رعاياها لأماكن المستشفيات التي تخصصها الدول المضيفة فقط، من دون أي إجراء آخر أو من دون تقديم إغاثة ومساعدات حقيقية لمواجهة هذا الوضع.
العاملون في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسفارة الفلسطينية والعاملون في مندوبية فلسطين بالجامعة العربية فقط، وهم يمثلون بضعة آلاف، لديهم استحقاقات مالية ومعاشات وتغطية صحية تمثل 30% من رواتبهم في مستشفى فلسطين أو مستشفيات مصرية أخرى.
أما عموم الفلسطينيين في مصر من حملة الوثائق المصرية فغير مشمولين بالخدمات الصحية ولا بتوفير المساعدات الطبية، إذ ليس لديهم معاشات من منظمة التحرير الفلسطينية، ولا من أي مؤسسة فلسطينية أخرى غير أسر الشهداء التي تقوم الجمعية الخيرية الفلسطينية بتقديم مساعدات عينية بسيطة موسمية كنوع من العمل الخيري، كما أن مستشفى فلسطين منذ عقود تحول إلى مستشفى قطاع خاص، بعد أن رفع الهلال الأحمر الفلسطيني يده عنه، ما عدا رواتب ما يقرب من 300 فلسطيني من العاملين في القطاع الإداري والصحي بجانب المستلزمات والاحتياجات الطبية في المستشفى من الصندوق القومي الفلسطيني كل شهر، ثم انقطعت في السنوات الأخيرة مما كلف المستشفى مديونية كبيرة وصلت إلى ما يقرب من 20 مليون جنيه للتأمينات المصرية. بجانب التدهور الهائل في الخدمات الطبية والأوضاع المعيشية للعاملين فيها من تدني الرواتب وانخفاض التغطية الصحية إلى ما يمثل 30% من قيمة العلاج والأدوية لحوالى 20 ألف شخص في إطار برنامج التأمين الطبي الذي يوفره المستشفى للعاملين في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وللموظفين الحاليين والسابقين في السلطة الفلسطينية الذين يحملون جوازات سفر فلسطينية، ويتقاضى أغلبهم رواتب عالية كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية تتراوح ما بين 500- 1500 دولار. كما أنها تخدم عائلات جمعية الشهداء والمصابين الفلسطينيين وتعالج الحالات المحالة إليها من قبل السلطة الفلسطينية بسبب عدم كفاية المرافق في غزة قبل وصول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى مقاليد الحكم في قطاع غزة، حيث شملت الخدمة الموظفين التابعين لسلطة رام الله.
كانت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني قد تأسست في الأصل منظمة طبية فلسطينية عام 1968 في الأردن، بعد معركة الكرامة، وسرعان ما أصبحت تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي عام 1970، افتتحت فرعا في مصر، وقامت بإنشاء عيادات في مناطق ذات عدد كبير من السكان الفلسطينيين. كما أنشأت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني مراكز طبية في المنيل والإسكندرية والزقازيق والتحرير. وعندما اضطرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى مغادرة لبنان عام 1982، أصبحت القاهرة مقر المنظمة، وبقيت كذلك حتى عام 1995، حين انتقلت إلى غزة. خلال تلك السنوات، تم بناء مستشفى فلسطين متعدد الطوابق، وهو منشأة طبية رئيسية تضم حوالى 20 تخصصا وصيدلية كبيرة، في مصر الجديدة. وتم إنشاء مركز لرعاية الأطفال، يسمى القدس، في مدينة نصر لموظفي المستشفى. ثم جرى افتتاح مرافق جديدة أخرى، بما في ذلك مركز طبي اجتماعي. وفي عين شمس، في عام 1983، ولتلبية الحاجة المتزايدة للممرضين والعاملين الطبيين، افتتحت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني معهد الفلوجة للتمريض، الذي قدم برنامجا لمدة ثلاث سنوات للممرضات المسجلات وبرنامجا لمدة عامين للفنيين والمساعدين الطبيين.
مع إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994، نُقل العديد من أنشطة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى خان يونس في غزة، بما في ذلك مركز إعادة التأهيل ومركز التدريب ومعهد الفلوجة للتمريض، كما أغلقت جميع المراكز الطبية التابعة للهلال الأحمر في جميع أنحاء مصر، باستثناء مستشفى فلسطين التي تتعرض لمشروعات خصخصة من وقت لآخر للتخلص من الديوان المتراكمة عليها من جهة، ومن غياب إشراف الهلال الأحمر الفلسطيني رغم قرار رئيس السلطة الفلسطينية بعودتها تحت إشراف جمعية الهلال في غزة. هذا بجانب قلة مواردها وعزوف الصندوق القومي الفلسطيني ودائرة فلسطين في جامعة الدول العربية عن صرف ميزانيتها ودعم برنامج صحة خاص للفلسطينيين في مصر. وبينما كان التقصير والإهمال واللامسؤولية عنوان المؤسسات الفلسطينية التي تخدم اللاجئين في مصر، فإن غياب ونسيان الفلسطينيين في العراق هو السمة الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية عبر هيئاتها الخارجية، سواء بتقديم الدعم المادي أو بتصعيد الانتهاكات الصارخة للمؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة بموجب الاتفاقية الدولية لحماية للاجئين أو بموجب الاتفاقيات الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

العربي الجديد
2/9/1441
25/4/2020

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+