صحيفة الواحة الماليزية: الإتحاد الإسلامي ضرورة لتحرير فلسطين ج1- أيمن الشعبان

صحيفة الواحة الماليزية0

عدد القراء 3418

دراسة مقدمة من مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية إلى صحيفة الواحة الماليزية

العدد الثالث/ رجب 1433- يونيو 2012

كتبه: أيمن الشعبان

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الجبار، مقلب الليل والنهار، لا تدركه الأبصار، وكل شيء عنده بمقدار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

لا يخفى على الجميع ما تمر به الأمة الإسلامية منذ أكثر من قرن لاسيما في السنوات الماضية؛ من فرقة وضعف وهوان وظروف استثنائية، حتى تكالبت عليها الأمم من كل حدب وصوب، واستباحت بيضتها وانتهكت حرماتها ودنّست مقدساتها، ( والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ).

وقبل الإجابة الصريحة على الأسئلة المطروحة، من واقعية الإتحاد الإسلامي وإمكانية تطبيقه، والمصالح المرجوة من ذلك لاسيما بقضية فلسطين، والخطوات العملية لتحقيقه، لابد من تأمل وتدبر لسنن الله الكونية في قوة وضعف المجتمعات، نهوضها وديمومتها من سباتها وتأخرها، الانتصار والتمكين من الهزيمة والتقهقر.

المتأمل في تتابع الأحداث وتسلسلها تاريخيا، يجد أن حال الأمة هذا طارئ عرضي، وأن وضعها الطبيعي الريادة والسيادة والعزة والغلبة والتمكين والصدارة بين الأمم، ولكلٍ أسبابه ومقدماته، فصحة الانتهاء من صحة الابتداء، (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)[1].

كان العرب قبل الإسلام في جاهلية دهماء وضلالة عمياء، يُضرب بهم المثل بالتفرق والتنازع والحروب وما حرب البسوس وداحس والغبراء بأكبر برهان، حتى أن إمبراطور الدولة الفارسية وصف حالهم بدقة، في حواره مع سفراء المسلمين قبيل غزوة القادسية،( فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم.

فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.

فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة: إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم.

ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته، وهى حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد...)[2].

وعندما جاء الإسلام جمعهم على كلمة واحدة كلمة التوحيد، ثم هذه الوحدة والتآلف جعل القبائل المتناحرة المتقاتلة المتصارعة تقاتل تحت راية واحدة بقيادة المثنى وسعد وخالد وعقبة وطارق وصلاح الدين وغيرهم،( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)[3].

الله عز وجل بعث نبيه عليه الصلاة والسلام للناس كافة بشيرا ونذيرا، ولا فرق في ذلك بين عربي أو عجمي، أسود أو أبيض، شرقي أو غربي، ومهما تباينت واختلفت عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، فهي شريعة كل فرد وأسرة وفئة ومجموعة وقبيلة وعشيرة وجماعة بل ودولة، فالإسلام هو شريعة كل العالم.

قال تعالى(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )، أي وما أرسلناك إلا إرسالة عامة لجميع الخلائق من المكلفين. تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار، كقوله تبارك وتعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] . تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] [4].

الأمة الإسلامية بحضارتها القوية سادت العالم بأسره وغيرت مسار الدنيا بربع قرن، يقول جوستاف لوبون في شهادته للحضارة العربية الإسلامية( إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها موردا علميا سوى مؤلفات العرب؛ فهم الذين مدّنوا أوربا مادة وعقلا وأخلاقا، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه)[5].

ويقول مؤلف شيوعي( إن الإنسان ليدهش إذا تأمل السرعة الغريبة التي تغلب بها طوائف صغيرة من الرحالين، الذين خرجوا من صحراء العرب مشتعلين بحماسة دينية على أقوى دولتين في الزمن القديم، لم يمض خمسون سنة على بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- حتى غرز أتباعه علم الفتح على حدود الهند في جانب، وعلى ساحل البحر الاطلانطيكي في جانب آخر، إن خلفاء دمشق الأولين حكموا على إمبراطورية، لم تكن لتقطع في أقل من خمسة شهور على أسرع جمل، وحتى نهاية القرن الأول للهجرة كان الخلفاء أقوى ملوك العالم)[6].

أصل مبعث الأمة الإسلامية ليس لإتمام نقص في طرق إدارة الملك فحسب، أو لإكمال مشاريع زراعية أو تنمية التجارة والاقتصاد وما شابه، بل بعثت لغاية أسمى من كل هذه الأمور الدنيوية، فكل الأمم تبتدأ وتنهض إلى أن تموت وتندثر لأغراض البطن والشهوات وزخارف الدنيا الزائلة من ملك وثروات وسيطرة ونعيم زائل، إلا أمتنا الرائدة لأنها أمة ربانية.

وفي قصة ربعي بن عامر رضي الله عنه مع رستم ومقولته الشهيرة ( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)، للتدليل على حقيقة هذه الأمة وهذا الدين ومكانتها بين الأمم، وعندما أعز الله دينه وكثر ناصروه أراد الأنصار إصلاح أموالهم، نزل قوله تعالى(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )[7].

والنبي عليه الصلاة والسلام ما بُعث ولا أتى من أجل المال كما تقوم عليه حضارات الغرب اليوم، ولا جاء من أجل النساء كما وصلت لحالة من الابتذال وتضييع الأنساب ونشر الرذيلة والفاحشة كثير من الدول التي تدعي الرقي والتقدم والحضارة، ولا جاء من أجل الملك واستعباد الناس وإذلالهم وظهور طبقات تصول وتجول وتتحكم بأحوال الدول كما هو الحال في بعض الدول التي تسمى بالعظمى!!!

يكاد يكون أوضح وصف لهذا العصر هو عصر الأزمات، سواء على المستوى السياسي والديني والاقتصادي والأمني وغيرها، لكن حقيقة الأمر أن مرجع كل تلك الأزمات لأزمة واحدة فقط هي أزمة إيمان وأخلاق، والابتعاد عن تحقيق العبودية لرب الأرض والسماوات.

أزمة العالم بأسره اليوم تكمن بعدم وجود أمة رائدة تقود العالم قيادة مثالية، كما كان عليه أسلافنا مطلع الإسلام، ففي القرن السادس الميلادي كانت أمة النصارى جسد بلا روح ولا قلب ولا عقل ولا دين ولا أخلاق، حتى جاء الإسلام وقاد العالم قيادة رشيدة شهد بها القاصي والداني الأعداء قبل الأصدقاء، ومن أبرز مقوماتها وحدة الكلمة ومركزية القرار من غير تسلط أو تجبر وتكبر ودكتاتورية، بل شورى وتغليب مصالح الناس على الفئويات وأي نسبة أخرى، حتى كانت حضارة حقيقية وليست صورية.

ونحن بأمس الحاجة الآن لأن نكون قدوة صالحة على مستوى الشعوب جميعا بشكل عام وللنهوض بأمتنا الإسلامية بشكل خاص، ولا يكون ذلك إلا باتحاد حقيقي فعلي مبني على أصول متينة وركائز قوية وقواعد رصينة، من توحيد وإيمان وعمل صالح وصدق في النوايا وثقة كبيرة بهذا الدين وحسن ظن وتقوى.

وكأن هذا العصر اختلطت المهازل بالمآسي والله المستعان، وكما يقول أبو العلاء المعري:

فلما رأيت الجهل في الناس متفشيا *** تجاهلت حتى قيل اني جاهل
فيا موت زر ان الحياة مريرة *** و يا نفس جدي ان دهرك هازل

أصيبت الأمة الإسلامية عبر تاريخها بحالات من المد والجزر، والتاريخ يشهد بأن أمتنا مرت بمراحل سيئة للغاية وظروف حالكة أسوأ مما نمر به الآن، يصف ابن الأثير ما حل بالمسلمين عندما تسلط عليهم المغول والتتار( لهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها ملكا، وتخريبا، وقتلا ونهبا، ثم يتجاوزونها إلى الري، وهمذان، وبلد الجبل، وما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد أذربيجان وأرانية، ويخربونها، ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلا الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله ... فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، إنما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه، وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم، ويترقب وصولهم إليه.)[8].

حتى وصل الحال من شدة الضعف والاستسلام، أنّ تتري أخذ رجلا لم يجد ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على هذا الحجر ولا تبرح، فوضع رأسه وبقي إلى أن أتى التتري بسيف وقتله، وقال ابن الأثير وأمثال ذلك كثيرة.

هنالك مثل قديم عندما غزا التتار بلاد المسلمين في القرن السابع الهجري كان يقال( إذا قيل لك أن التتر انهزموا فلا تصدق )، وللأسف أصبحت من المسلمات الآن إذا قيل لك أن أمريكا أو الغرب أو حتى الصهاينة قد انهزموا فلا تصدق، وكأننا رضينا بالواقع المهين الذي جعلنا تابعين لهم بكل شيء حتى السياسة وإدارة شؤوننا الحياتية!

إن أعظم فتنة وخلل في التصور يمر به المسلمون بهذا العصر هو انبهارهم بالحضارة الغربية، والسعي الحثيث للبحث عن أسباب هذه القوة ونهضتهم وقيادتهم للعالم، لكن مهما بلغت ووصلت فهي نتاج تجارب بشرية وهذا لا يعني أحقيتهم ورشاد طريقتهم، أما حضارة الإسلام فهي نتاج رباني لا باطل فيه بجميع نواحي الحياة.

إن ثقة المسلم بدينه واعتزازه بالإسلام وافتخاره بهذه النسبة تعطينا حافزا قويا لاستعادة مكانة الأمة الفعلية، لأننا إذا بقينا على ما نحن عليه فتلك الحضارات الزائفة ستُغرق العالم بأسره، بسبب تخلينا عن موقعنا ومكانتنا الفعلية الصحيحة.

http://paliraq.net/images/73e642fb-23f0-41c7-8c4c-b1a4c31f7b2b.jpg

[1] ( الأنعام:6 ).

[2] البداية والنهاية ط إحياء التراث( 7/49).

[3] ( آل عمران:103).

[4] تفسير القاسمي.

[5] ماذا قدم المسلمون للعالم( 1/13).

[6] إلى الإسلام من جديد، ص46.

[7] ( البقرة:195 ).

[8] الكامل في التاريخ( 10/333).

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+