"اللاجئون اليهود" وحجر المُوكرَة – أليف الصباغ

وكالة معا الإخبارية0

عدد القراء 3721

الكاتب : أليف صباغ

"اللاجئون" اليهود وحجر المُوكرَة- لا توجد أي نتيجة لطرح هذا الموضوع سوى إغلاق المتنفس الاساس لعملية التسوية .

تنظم وزارة الخارجية "الإسرائيلية" حملة دولية للاعتراف بالمهاجرين اليهود، من الدول العربية الى "إسرائيل"، على انهم لاجئون. لماذا؟ فهل يحق اعتبارهم اصلا لاجئين؟ وهل للتوقيت أهمية ما؟ وما هي الاهداف الحقيقية من وراء ذلك ؟ .

قبل اقل من اسبوع، وبمبادرة من المندوب "الإسرائيلي" في الامم المتحدة، دعيت دول العالم أجمع في مقر الامم المتحدة لتستمع الى محاضرة مطولة عما سماهم نائب وزير الخارجية "الإسرائيلية"، داني ايلون، "باللاجئين اليهود" الذي هاجروا من الدول العربية الى "إسرائيل" بعد عام 1948. قدم المحاضرة داني ايلون وقد حشاها بالاكاذيب والقصص الخالية على طريقة الرواية الصهيونية المعهودة. ليس غريبا عن هذا الرجل وهو الذي ينكر وجود شعب فلسطيني اصلا، كما ينكر مسؤولية "إسرائيل" عن تهجير اللاجئين الفلسطينيين ويعطي لقرارات الامم المتحدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين صفة عمومية وكأن القرارات تتحدث عن كل اللاجئين، ويقصد بذلك اليهود طبعا. أيلون لم يطالب الامم المتحدة الاعتراف بالمهاجرين اليهود من الدول العربية، على انهم لاجئون فقط، بل عاب على الامم المتحدة انها لم تقدم لهم المساعدات كما قدمت للفلسطينيين، واتهم الدول العربية بالمسؤولية عن قضية اللاجئين الفلسطينيين واليهود ايضا. فوق هذا وذاك طالب الدول العربية بدفع تعويضات "للاجئين" /المهاجرين اليهود عن أملاكهم التي تركوها هناك وان تقوم الدول العربية باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين، كما استوعبت "إسرائيل" "اللاجئين اليهود"، ضمن عملية تبادل التعويضات والسكان. واصر، بوقاحته المعهودة، انه لن يكون سلام ما لم تجد قضية "اللاجئين اليهود" وحقوقهم حلا على طاولة المفاوضات .

هذا الموضوع لم يكن من اختراع ايلون ولم يأت اليوم صدفة، بل يتم التحضير له منذ سنوات طويلة على نار هادئة لاختيار الوقت المناسب لطرحه. في الستينات رفض بن غويون وموشيه ديان وزعماء آخرين ان يطرحوا الموضوع على جدول الاعمال الدولي باعتبار ان "الوقت غير مناسب" ومنذ عام 2009 طلب نتانياهو من مستشاره عوزي اراد ان يجهز الموضوع في الوقت الذي طلب منه تجهيز ملفات التفاوض مع السلطة الفلسطينية، ولطرحه على الطاولة الدولية في الوقت المناسب، وفي ايار عام 2011 قدم مجلس الامن القومي الى نتانياهو ملفا كاملا في الموضوع، وتم الكشف عن بعض تفاصيله في بداية هذا الشهر من خلال وسائل الاعلام "الإسرائيلية"، وليس صدفة ان كل ما طالب به ايلون في الاجتماع المذكور في مقر الامم المتحدة، قد جاء في توصيات مجلس الامن القومي .

هنا لا بد ان نتساءل، مع من سيتفاوض ايلون؟ مع الفلسطينيين؟ وما هي مسؤولية الفلسطينيين عن المهاجرين اليهود من العراق او مصر او من اليمن او المغرب العربي على سبيل الامثلة؟ وبأي صفة يمكن للفلسطيني ان يتحدث في الموضوع؟ والسؤال الثاني، لماذا لم يطرح الموضوع اثناء المفاوضات مع مصر مثلا حيث هاجر منها اكثر من سبعين الف يهودي الى "إسرائيل"؟ ولماذا لم يطرح الموضوع مع المغرب، صديقة "إسرائيل"، خاصة وان المغرب بلد عربي احتضن اليهود بعد طردهم من اسبانيا اكثر مما احتضنتهم اوروبا وعاش فيه حتى عام 1948 اكثر من 250 الف يهودي؟ اضافة الى ذلك، هل يمكن اعتبار اليهود الذين هاجروا من الاتحاد السوفييتي ودول اوروبية وامريكية لاجئين ايضا؟ واذا كانت "إسرائيل" ترى بكل مهاجر اتي اليها لاجئا، فهل يبقى فرق بين تعريف لاجئ وتعريف مهاجر في القانون الدولي ؟ .

واضح لكل من يعرف قراءة الابجدية في السياسة ان القضية المطروحة لا تمت الى الحق والحقيقة بصلة وانما هي، كعادة حكام "إسرائيل"، افتعال لقضية تحول من خلالها "إسرائيل" نفسها من مجرم الى ضحية، "إسرائيل" مظلومة (يا حرام!) وتحتاج لمن ينصفها، والعالم مطالب بذلك. وهي تندرج في توقيتها، عشية انعقاد الاجتماع السنوي للجمعية العمومية، ضمن السياسة "الإسرائيلية" التي لا تقبل النقد وترفض ان تكون في حالة الدفاع عن النفس، بل تسعى لتكون دائما الطرف المتهِم (بكسر الهاء)، اما الاهداف المعلنة من هذه الحملة فتتمثل بالاعتراف باليهود الذين هاجروا من الدول العربية الى فلسطين على انهم لاجئون، مساواة اللاجئين الفسطينيين "باللاجئين اليهود" وبالتالي، بحسب اقوال نائب وزير الخارجية داني ايلون، توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية كما وطّنت "إسرائيل" "اللاجئين اليهود"، وثالثا تعويض اللاجئين "كل اللاجئين"، "اليهود" والعرب، من خلال اقامة صندوق دولي لتعويض اللاجئين كما اقترح كلينتون في نهاية فترة حكمه، وهنا يبدو ان الخليج العربي سيكون الممول الاساس لهذا الصندوق والذي تطمح "إسرائيل" ان تلتهم معظم ميزانيته. وأخيرا ، وهو الهدف الاهم دون الافصاح عن ذلك، هو وضع اكبر العراقيل امام أي تقدم في عملية التسوية التي يفترض ان تعيد اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ودفع التعويضات لهم عن الغبن الذي لحق بهم والاملاك التي سلبت منهم. قاذا كانت مسيرة المفاوضات اشبه بالسير في مُوكرَة (مغارة متشعبة الانفاق تعيش بها الثعالب وحيوانات برية اخرى) فان ملف "اللاجئين اليهود" هو الحجر الذي يلقى على باب المُوكَرَة فيسدها ليخنق كل من بداخلها .

يجب ان نعترف ان نجاح "إسرائيل" في ادراج قضية "اللاجئين اليهود" من الدول العربية على جدول الاعمال الدولي هو انجاز لحكومة "إسرائيل"، وهو تحد للدول العربية وحكامها. لقد اقامت "إسرائيل" منذ حوالي عشرين سنة هيئة خاصة لتوثيق الرواية اليهودية. نحن نعلم عن قرب، ونحن شهود احياء، لكيفية توثيق الروايات الخيالية على انها حقائق، وهي ستتحول الى حقائق فعلا اذا ما بقي العرب على ما هم عليه. لقد دُقّ هذا الجرس من عشرين عاما تقريبا، فهل قامت أي دولة عربية بتوثيق روايتها وكيف قامت العصابات اليهودية التي عملت في العراق واليمن وسوريا والمغرب وووو لحث اليهود على الهجرة من بلادهم ليحتلوا مكان اللاجئ الفلسطيني؟ ام انهم ينتظرون عقدا اضافيا من الزمن فيكون الشهود العرب على الاحداث قد ماتوا ولم يتركوا أي تسجيل فتصبح الرواية "الإسرائيلية" الخيالية رواية وحيدة فتتحول حينذاك الى حقيقة ؟ .

من ناحيتنا كفلسطينيين لا يجوز لنا المساومة او البحث او مجرد الربط بين قضيتين مختلفتين، ولا يوجد أي سبب يجعلنا نقبل بذلك، ولا توجد أي مرجعية قانونية تجبرنا على ذلك، ولن نمانع ان يعود اليهود الى الدول العربية او الاوروبية او الامريكية، التي أتوا منها، ولكن هل تضمن الدول العربية الا تضطر لمناقشة الموضوع مع "إسرائيل"، وان كان بدون ربط مع قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم المشروع في العودة الى ديارهم والتعويض عن عذاباتهم؟ وكم سيكلفها ذلك ان اضطرت الى قبول الرواية "الإسرائيلية" ؟ .

باحث ومحلل سياسي

 

المصدر : وكالة معا الإخبارية

1/10/2012

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+