سفير فلسطين الأسبق في العراق : هيئة علماء المسلمين تمكنت من ملء الفراغ المفاجئ الذي حدث بعد الاحتلال

الهيئة نت0

عدد القراء 3064

أشاد الدكتور ( يحيى رباح ) السفير الفلسطيني في العراق خلال الثمانينات، بالمواقف الوطنية الشجاعة لهيئة علماء المسلمين، وتمسكها بمبادئها الثابتة في الدفاع عن مصالح الشعب العراقي، ومناهضتها للاحتلال الغاشم، ورفضها لمشاريعه ومخططاته الخبيثة الرامية الى السيطرة على هذا البلد الجريح ونهب ثرواته .

واوضح ( رباح ) في حوار صحفي اجراه معه ( جاسم الشمري ) مراسل الهيئة نت في العاصمة الاردنية عمان، ان الهيئة انطلقت منذ اللحظات الأولى التي اعقبت الاحتلال السافر عام 2003 لتملأ الفراغ المفاجئ الذي حدث، ولتؤكد لجميع الأطراف المتنافسة على المصالح في العراق، بأن الشعب العراقي له من يمثله وينطق بإسمه، ويدافع عنه .. مؤكدا ان هيئة علماء المسلمين ومن خلال الحنكة السياسية لمسؤوليها وعلى رأسهم امينها العام الشيخ الدكتور حارث الضاري، تمكنت من امتلاك قدرة تنظيمية فاجأت الجميع، وخلقت حالة من الوعي العميق بالواقع العراقي على صعيد العالم العربي الذي لم يكن على دراية كاملة بهذا الواقع المعقد .

واعرب ( رباح ) عن تقديره العالي واعتزازه الكبير بالملاحم البطولية التي سطرتها المقاومة العراقية الباسلة في مواجهتها لقوات الاحتلال الغازية منذ اليوم الاول الذي دنست فيه ارض الرافدين الطاهرة، وتكبيدها الخسائر الفادحة بالأرواح والمعدات العسكرية .. موضحا ان المقاومة العراقية التي تعد فخرا لكل عربي ومسلم ولكل من تتوق نفسه إلى الحرية، أضافت أنماطا جديدة من الجهاد والنضال لم تكن معروفة من قبل، كما شكلت حالة متميزة في المطاولة، والقدرة على الإبداع، انطلاقا من ثقتها بالشعب العراقي الأصيل، الذي فاق صموده وصبره كل الحدود .

ووصف الدكتور ( يحيى رباح ) المشهد العراقي بعد مرور أكثر من تسع سنوات على الاحتلال السافر بانه لازال مرتبك ومعقد, وذلك لعدم وجود التوازن بين مكونات العملية السياسية الحالية، ولا سيما في حكومة المالكي، بسبب استمرار التدخلات الاقليمية التي تهدف الى تعطيل الدور العراقي التاريخي بصفته جدار الأمة الشرقي في منظومة الأمن القومي .. لافتا الانتباه الى ان الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003, ظلت حتى الآن رهينة للسياسة الأمريكية والإيرانية التي لا تريد للعراق أن يستعيد دوره المرموق في المنطقة .

وفي ما يأتي نص الحوار : -

الهيئة نت : باعتقادك، هل ان المفاوضات مع الكيان الصهيوني يمكن أن تؤدي الى نتيجة، ولماذا ؟ .

رباح : المفاوضات التي انطلقت بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة "الإسرائيلية" في عام 1993,  قامت على أساس اتفاق إعلان المبادئ، والذي اشتهر باسم (أوسلو), وتم التوقيع عليه في حديقة البيت الأبيض في الثالث عشر من أيلول عام 1993, وكان ذلك الاتفاق يقضي بإقامة سلطة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة خمس سنوات, ثم يبدأ بعد ذلك التفاوض على الموضوعات الرئيسية التي تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة, وهي الحدود, والمستوطنات, واللاجئين والمياه, والأسرى, والممرات الآمنة بين الضفة الغربية وقطاع غزة .

ولكن بعد مرور أقل من سنتين على إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في صيف عام 1994, بدأت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة تنقلب على الاتفاق, حيث اغتال "الإسرائيليون" رئيس وزرائهم (اسحق رابين) في الرابع من تشرين الثاني عام 1995, واستمر هذا الانقلاب على اتفاق أوسلو حتى اغتيال الرئيس ( ياسر عرفات ) في الحادي عشر من تشرين الثاني عام  2004  بعد ان كان عرفات قد تعرض لضغوط هائلة اثناء محادثات " كامب ديفيد" الثانية ورفض ان يقدم اية تنازلات في الموضوعات الرئيسية، وهكذا اصبحت المفاوضات مع الحكومات "الإسرائيلية" غير مجدية, وذلك لان الدولة الراعية للمفاوضات، وهي امريكا أثبتت المرة تلو الأخرى أنها غير نزيهة, وأنها منحازة بشكل فاضح الى "إسرائيل"، وقد طالب الرئيس محمود عباس بإقرار مرجعيات جديدة للمفاوضات, لكن الكيان الصهيوني ماطل, وظلت المفاوضات معطلة حتى يومنا هذا.. أنا اعتقد أن المفاوضات مع "إسرائيل" على نفس القواعد السابقة هي مفاوضات بلا جدوى .

الهيئة نت: ما هي تداعيات التغيير الذي جرى في مصر على القضية الفلسطينية ؟ .

رباح : ما جرى في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير كانون الثاني عام 2011 هو نتيجة احتقانات مصرية داخلية لها علاقة بشيخوخة نظام الحكم السابق, وعجز الهياكل الرسمية المصرية عن متابعة القضايا المهمة للشعب المصري .

بالنسبة للأحداث المصرية, فإن القضية الفلسطينية على قائمة الانتظار وليست على قائمة الأولويات, وقد يستمر ذلك لفترة طويلة, لأن ضرورات الدولة المصرية – الاقتصاد, الأمن, الوحدة الوطنية, اتفاق كامب ديفيد مع "إسرائيل" إلخ– تعد الأولوية على متطلبات الأيدلوجية, وأعتقد أن نمط العلاقة القديمة مع القضية الفلسطينية سيستمر بنفس الصيغة, وبدون أي تغيير دراماتيكي .

الهيئة نت : كيف يمكن للعراقيين الاستفادة من التجربة الفلسطينية في القضاء على تبعات الاحتلال الأمريكي والتغلغل الإيراني ؟ .

 رباح : يجب التركيز على سلامة الجبهة الداخلية, وإبقاء عنوان المقاومة العراقية متوهجا, والحفاظ على استقلال القرار العراقي بتحريره من أيدي الآخرين، سواء إيران وتركيا أو الوجود الأمريكي الذي مازال عاملا حاسما رغم انسحاب قوات الاحتلال المزعوم من العراق .

الهيئة نت : كيف تنظرون الى المشهد العراقي بعد أكثر من تسع سنوات من الاحتلال ؟ .

رباح : بعد أكثر من تسع سنوات من الاحتلال الأمريكي, لازال المشهد العراقي مرتبك ومعقدا, لأن حالة التوازن بين مكونات العراق ليست موجودة, ولم تستطع الدولة العراقية في ظل حكومة المالكي أن تحقق التوازن المطلوب, ذلك أن العراق هو مكون رئيسي و تاريخي من مكونات الأمة العربية, وبعض القوى المحيطة بالعراق, والمتدخلة فيه بقوة تريد أن تضرب بعنف هذا الدور العراقي التاريخي بصفته جدار الأمن الشرقي في منظومة الأمن القومي, ولم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة التي شكلها الإيرانيون أو الأمريكيون أن ترفع سقفها, فظلت حتى الآن رهينة للصيغ الأمريكية والإيرانية التي لا تريد للعراق أن يستعيد عافيته, وبالتالي استعادة دوره المرموق في المنطقة .

الهيئة نت : من الذي أجبر الأمريكان على سحب معظم قواتهم المحتلة .. المقاومة العراقية، أم المفاوضات غير المتكافئة التي اجرتها حكومة المنطقة الخضراء ؟ .

رباح:  بدون أدنى شك, فإن المقاومة العراقية الباسلة هي التي ضاعفت من خسائر وتكلفة الوجود الأمريكي في العراق, واضطرت الإدارة الأمريكية الحالية والسابقة أن تفكر جديا في الانسحاب, وهذه الحقيقة لم تعد سرا, فالمداولات التي جرت في الكونغرس, والتقارير التي نشرت في الصحافة الأمريكية , ولجان التحقيق التي شكلت بعد الأحداث النوعية التي شهدها العراقن كانت العامل الحاسم في الوصول إلى قرار أمريكي بالانسحاب, ونتذكر جيدا أن الخسائر والتكاليف الأمريكية الباهظة كانت حديث الشعب الامريكي, بل كانت الموضوع الأكثر أهمية في الانتخابات الأمريكية التي جرت قبل أربع سنوات والتي صعدت الرئيس باراك أوباما إلى سدة الرئاسة، فالمفاوضات التي كانت تجريها أمريكا ممثلة بجنرالاتها, ودبلوماسيها, ومبعوثيها في العراق, لم تكن مفاوضات بالمعنى الحقيقي, بل كانت مجرد املاءات من طرف واحد، فالمقاومة العراقية الباسلة هي التي قلبت الموازين لصالح الشعب العراقي, وجعلت الأمريكيين يعرفون أنهم أمام مقاومة عريقة, وقوية, وفاعلة, وذات نفس طويل وقدرة هائلة على التعبئة, فقد كان للمقاومة العراقية الباسلة تصورات مسبقة عن تطور الأحداث, ولذلك فإنها كانت مستعدة, وأثبتت للعالم مدى التزام الشعب العراقي وقوة انتمائه العربي والإسلامي، ولا ننسى أن القلق وعدم الاستقرار, والخلافات التي تعمقت حتى في الجانب الإيراني كانت بسبب المقاومة العراقية التي تفوقت على كل التصورات التي كان يتوقعها الآخرون .

الهيئة نت : برأيكم، كيف يعود الأمن إلى العراق ؟ .

رباح : الأمن سيعود حتما إلى العراق حين يكون هناك انسحاب حقيقي وكامل للجيش الأمريكي، وتنتهي الحكومة الحالية التي يرأسها المالكي، وتشكيل حكومة متوازنة فعلا، ويعود الجيش العراقي الذي انشىء وفق عقيدة عسكرية صحيحة، وتنتهي التدخلات الإقليمية، وتفشل الصيغة الحالية التي تجعل من الأطراف الداخلية امتدادا لأطماع خارجية تريد اقتطاع ما تطمع فيه من العراق، بحيث يجد الشعب العراقي نفسه ومصالحه العليا في هذه الحكومة التي يتطلع إليها الشعب العراقي.

الهيئة نت : كيف سيكون الدور الاقليمي في العراق بعد الانسحاب الأمريكي الكامل، ولا سيما الدورين الإيراني والتركي ؟ .

رباح : مهما يكن حجم الانسحاب الأمريكي من العراق، فإنه سيترك فراغا بطبيعة الحال، وبالتالي فإن هذا الفراغ سيملأ موضوعيا بخيارين، الخيار الأول وحدة العراق، ووحدة مؤسساته ووحدة جيشه، وحضور دوره العربي ودوره الإقليمي، أو محاولات التغلغل على خلفيات مصالح الجارين إيران وتركيا .

أعتقد أن الدور الإيراني والدور التركي سيحاولان استثمار وضع العراق من خلال أدوات وقوى محلية، ، سواء تحت غطاء التوتر الطائفي أو تحت غطاء المشكلة الكردية، أو أية غطاءات أخرى، والمهم هنا : ان العراق هو جار لإيران وتركيا منذ الأزل، ويعرف حقيقة الأطماع، وأنا شخصيا عشت في العراق في آخر سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وأعرف أن الحذر من النفوذ الإيراني أو التركي يكاد يكون مزروعا في جينات الشعب العراقي .

إن الشعب العراقي يعرف حقيقة الأخطار القادمة من هذا الطرف أو ذاك، وهو يطمح ان يبقى بلد الإشعاع الحضاري، ومركز التوازن الرئيسي في المنطقة بحكم عبقرية الجغرافيا وقدرة هذا الشعب على إنتاج القيادات التي تحافظ على هذا الحجم الهائل من المصالح العراقية، ومن التراث العراقي الكبير .

الهيئة نت : ما هو تقييمكم للدور العربي في العراق ؟ .

رباح : مع الأسف، إن دور الأشقاء العرب في العراق تأخر كثيرا، وبعضهم قدم للأمريكيين مساعدات كبيرة، كما أغفل العرب بأن عدم حضورهم سيحل بدلا منه أطرافا أخرى، ولكني أعتقد أن الوعي الجمعي العربي يتبلور الآن أكثر، لأن منظومة الأمن القومي العربي ستكون ضعيفة جدا بدون حضور العراق المعافى، وأنهم بدون العراق سيظلون مهددين على المستوى الاستراتيجي  .

الهيئة نت : ما هو تقييمكم للأداء السياسي لهيئة علماء المسلمين في العراق ؟ .

رباح : هيئة علماء المسلمين في العراق، انطلقت منذ اللحظات الأولى للاحتلال الغاشم لتملأ الفراغ المفاجئ الذي حدث، ولتقول لكل الأطراف المتنافسة على المصالح في العراق، أن الشعب العراقي له من يمثله وينطق بإسمه، وله من يدافع عنه، فقد كان لقادة الهيئة وعلى رأسهم الشيخ الدكتور حارث الضاري حضورا ساطعا لرؤية الشعب العراقي، وامتلكت قدرة تنظيمية فاجأت الجميع، وخلقت حالة من الوعي العميق بالواقع العراقي على صعيد العالم العربي الذي لم يكن على دراية كاملة بهذا الواقع المعقد .

الهيئة نت : ماذا تقول لكل من الشعب العراقي والمقاومة العراقية ؟ .

رباح:  أنا أفتخر جدا بالشعب العراقي الذي عشت بينه بضع سنوات، وأعرف الكثير من أبنائه، وكنت دائما على ثقة بأنه شعب عميق الوجدان، وأن صبره يفوق الحدود، وأن وحدته ستبقى هي العنوان المتلألئ.

أما المقاومة العراقية الباسلة، التي واجهت غزوا واسعا ومركبا من عشرات الدول قيادة أمريكا، فهي فخر لكل عربي ولكل مسلم ولكل من تتوق نفسه إلى الحرية، فهذه المقاومة أضافت أنماطا من النضال لم تكن معروفة من قبل، كما شكلت حالة متميزة في المطاولة، والقدرة على الإبداع، انطلاقا من ثقتها بالشعب العراقي الأصيل، فلها كل المجد والتحية.

يشار الى أن الدكتور يحي رباح ـ الذي يعد من مؤسسي حركة التحرير الوطني فلسطيني (فتح)، تسلم العديد من المناصب منها : سفير فلسطين في العراق خلال الثمانيات، وسفير فلسطين في اليمن لمدة عشر سنوات، وله العديد من الكتب والمقالات، ويعمل الان نائب المفوض العام لحركة (فتح) في قطاع غزة والمسؤول الاعلامي للحركة في القطاع .

 

المصدر : موقع هيئة علماء المسلمين في العراق - الهيئة نت

30/10/2012

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+