الطوبجي .. والجيران الطيبين ( ج1 ) - وائل الأسعد

فلسطينيو العراق4

عدد القراء 5830

بسم الله الرحمن الرحيم

أحببت أن أكتب موضوعي عن الجار، الجار الذي عاشرناه و جاورناه في السابق بــ بغداد الحبيبة وتحديدا منطقة (الطوبجي) حي السلام، وكان من واجبي أن أذكر جيراني الطيبين جيران العمر أن أذكرهم بهذه الكلمات البسيطة والمتواضعة لاشتياقي لهم وللماضي الجميل الذي عشناه سوياً بحلاوته ومرارته .

جاري هو أقرب الناس لي، وألصقهم بي، وأعرفهم بأموري، يزورني إذا مرضت ويواسيني إذا أصبت ويسأل عني إذا غبت ويسارع إلى نجدتي إذا استغثت به، هكذا كنا وهكذا سنكون دوماً إن شاء الله متحابين ومتقاربين ومتكاتفين، كنا أحباء ضد كل من يريد أن يزرع بيننا الحقد والكراهية والبغض عشْنا أيامنا بحلوها ومرها، فرحها وحزنها ,ولم نكن نعرف بأننا سنفترق يوماَ ما عن بعضنا البعض. قدر الله بنا صار الجار بعيداً عن جاره هذا في بلاد الغرب وذاك أيضا تغرَب في أوروبا وغيره ممن كانت وجهته ورحلته إلى البلدان العربية الشقيقة للعراق كــ سوريا والأردن، والقسم الأخير بقي في بغداد بقي في منطقة الطوبجي المنطقة التي أنجبت رجالا شجعاناً من خيرة الرجال الفلسطينيين الأبطال .

الآن أخوتي الأكارم ... دعونا نذكر أسماء الجيران الأصلاء الذين عاشرناهم وجاورناهم في تلك الفترة، البعض منهم لا يزال في المنطقة والبعض الآخر مثل ما أسلفنا غادر العراق سواء قبل الاحتلال الأمريكي وغزوه للعراق أو بعده أي بعد عام 2003. سأبدأ بــ : بيت عمي المرحوم بإذن الله (أبو رامي) المقربين: كنا عائلة واحدة , لا أحد يستطيع تفرقتنا , من هنا أوجه لهم أجمل التحية وأرق السلام .

بيت الحاج المرحوم بإذنه تعالى (سعيد عبدالكريم) وأبناءه محمود وجمال : اللذان غادرا العراق وتوجها لمملكة الأردن , أصحاب الابتسامة الجميلة ,, نوجه لهم سلامنا .

بيت (القاروط) الإخوة سمير ومنير: الاخوان الرائعان دار القاروط المعروفين بأكلة (الحمص والفلافل)الشهيرة على طريقتهم الخاصة ,, كنا يومياً نذهب للسوق الشعبي سوق الطوبجي ومن هناك نشم رائحة الفلافل الرائعة المنبعثة من محلهم ,, فتجذبنا للتوقيع عندهم على شراء لفات فلافل .

بيت صلاح المصري : الأستاذ الهادئ بشوش الوجه طيب الأخلاق مثقف محبوب لدى جيرانه وأهله وناسه .

بيت الفقيد (أبو زكريا) , ونجليه عامر الحلاق (أبو الذنين) والمرحوم بإذن الله ( سلام) : عائلة معروفة عريقة يحبون الخير للناس لم يؤذوا في حياتهم أحد , كنا كل يوم نحن الصغار في ذلك الوقت نلعب قرب بيتهم لا نعرف السبب,, ولكن ربما رشة الماء على رصيف البيت من أيادي المرحومة بإذن الله (أم زكريا) ورائحة الماء الفواحة هي من تجذبنا للعب قربهم .

بيت البدوي الإخوة جمال ويوسف المتواجدين حاليا في الأردن : نذكر جيداً مدى حبهم لنا نحن الأولاد .. نكتفي بكلمتين : (ناس اصلاء) .

بيت الجياب : وأبنائهم المعروفين بشجاعتهم ومن لا يعرف أسطورة أساطير كرة القدم (أياد الجياب) وأخيه أحمد الشهير بــ "لويس فيجو" نوجه لهم سلامنا وتحيتنا .

هؤلاء كانوا جيرتنا من اليمين .

أما الجيران الذين يحدونا من جهة الشمال فهم :

بيت أبو السمرة : ويشمل الإخوة محمود أبو طه وأخيه أحمد المشهور بـ احمد "المشيعر" أبو عمر ... ماذا عسانا أن نقول عن صاحب الابتسامة الشفافة وصاحب القلب الأبيض محمود الذي طالما كان يزرع الضحك والابتسامات على شفاه الصغير والكبير في سهراتنا الليلية قرب جسر الطوبجي وخاصة في شهر رمضان ليلاً.. من خلال هذه الوقفة الجميلة من أيام الماضي نوجه لهم سلامنا الحار .

بيت الفقيد زيدان الغزاوي وأبناءه أحمد و عماد وأياد : يا خسارة الذي لم يعرف الحاج زيدان الغزاوي رحمه الله .. هكذا كانت تردد والدتي أم وسام وكنت أكمل جملة أمي بعبارة أخرى وهي : يا خسارة الذي لم يعرف الحاجة حمامة العباس أم مصطفى أطال الله بعمرها جيران طيبون , حقاً انهم طيبون ,, أذكر عندما كنا نلعب, لعبة كرة القدم في حيِّنا وفي منتصف الظهر , حيث الجو هادئ والناس نائمون ونحن نلعب أمام بيتهم ونركل الكرة على حائطهم ونصرخ بأعلى أصواتنا ,, ومع كل هذا الإزعاج المثير ... لم نسمع يوماً قط كلمة جارحة لنا ,, بل على العكس كانت تخرج لنا الحاجة أم مصطفى الماء البارد للشرب ,, (وماء الحنفية) للتغسيل .. أيام جميلة , حقا جميلة, والأجمل هم الجيرة الطيبة ,, نوجه سلامنا لعائلة الغزاوي المحترمين ,, مع قبلة ابن وحفيد نطبعها على جبين الحاجة جدتنا أم مصطفى أطال الله بعمرها وعمر أبنائها , ورحمَ الله زوجها الحاج زيدان الغزاوي ونجلها الأصغر أياد وتغمدهم في واسع رحمته وبحبوحة جنانه .

بيت أبو السعود : يشمل زياد أبو أحمد وعماد أبو ياسر في المنطقة .. عائلة محبوبة مشهورة في الأكلات الشعبية الفلسطينية الشهيرة : (الحمص .. المدمس والفلافل) كنا نحن الأولاد اذا جعنا نذهب مباشرة وبدون تردد إلى دار أبو السعود خاصة في وقت العصر قبل غروب الشمس , كنا نشتري لفة فلافل,, فلافل حار منا من يحبها مع الــ (العمبة) ومنا من يرغب المدمس مع الفلافل , ومنا من يحب الــ (شطة) الحارة ,, كل منا يأكل لفته مع بطل (بيبسي) أو (سينالكو) بارد جداً (مجرش) نذهب نشتريه من صاحب دكان العراقي (راغز) ونشربه مع حرارة الصيف الملتهبة .. ما أجملها من أيام,, ليتها تعود ... نوجه أشواقنا وتقديرنا لدار أبو السعود ونخص بالذكر صديقنا صديق العمر ياسر ,,, ونوجه سلامنا لراغز أحد الاخوة الأشقاء العراقيين ولكل الخيرين الطيبين .

بيت محمد عوض أبو منذر رحمه الله : ويشمل : منذر رحمه الله والحاجة أم منذر عقيلة المرحوم بإذن الله صالح عوض وأحفادهم الكرام (عمر وعلي وعاصم) الأخوة الأعزاء محبوبين عندنا , لم نسمع لهم أي أذى , أيتام منذ صغرهم , ربوا وترعرعوا في بيت جدهم , حيث كانت خالتهم هي الأم والخالة والعمة لهم , لم تحسسهم يوماً بفقدانهم أمهم وأبيهم, أعطت لهم الحنان واللطف والمحبة , ربوا وفق منهج الله وتعاليم دينهم الإسلامي الحنيف .. كبروا مع سقوط بغداد الحبيبة , وكانت وجهتم هي السفر خارج البلاد وتركهم بغداد السلام , حفاظاً على سلامتهم وأرواحهم من بطش الظلام .. فــ عمر تزوج وتوجه نحو المخيمات لانتظار التوطين ,, تحمل وصبر سنوات عجاف إلى أن فرج الله همه وتوطن إلى (كندا) حيث أخذ معه أخيه الأصغر (عاصم) ,, أما علي فكانت وجهته هي : سوريا حاله كحال الكثير من شبابنا الفلسطينيين وبعد معاناة طويلة دامت لسنوات توطن أيضاً الى كندا ليجتمعوا الأخوة مرة اخرى مع بعض ... أما جدتهم وخالتهم .. فبقيتا في دارهم بالطوبجي التي تذكرهم برائحة أغلى الأحباب .. ولأن الحاجة أم منذر أطال الله بعمرها أخرجت من ديارها فلسطين سنة 1948 قسراً .. هي وجميع من في سنها .. وبالتالي : أخذت عهداً بالتمسك بأرض الرافدين , أرض التبني والمنشأ .. أطال الله في عمرها وعمر جميع جداتنا الكبيرات ,, لهم سلامنا واحترامنا .

مسك الختام بيت الفقيد جبر الناجي أبو صلاح أو أبو ذكرى المتواجدين في سوريا في الوقت الحالي : عائلة رجالها ذهب على ذهب , ورب أسرتهم أغلى من الذهب , المرحوم بإذن الله تعالى : جبر مصطفى الناجي , صاحب هداوة رائعة , وجه بشوش , فقير إلى الله , طيب ومحبوب, توفي في سوريا رحمه الله ولكنه ترك خلفه رجالاً حقيقيون , الأرض تفتخر عندما يمشون عليها ,, صلاح ,, محمد ,, والصديق الحبيب علي ,, شباب لهم صولات وجولات ,, أصحاب غيرة ونخوة وشهامة ,, وبعيداً عن كل المجاملات,, هذه حقيقة ,, هم هكذا ,, تربوا على المنهج الصحيح ,, والدين الإسلامي السليم ,, حفظهم الله لشبابهم ,, ونعم الشباب أنتم يا أبناء الناجي .

جميع من ذكر كانوا نعم الجيرة الصالحة الطيبة، وعذراً لمن لم تسعفنا الذاكرة لذكره عندما نتذكرهم لا نذكرهم إلا بالخير حرصنا على المحبة فيما بيننا وقوينا روابط الألفة وعشنا متماسكين متحابين في الدنيا سعداء في الآخرة إن شاء الله تعالى ، ولا أعرف هل سنلتقي في يوم من الأيام لكي نعيد ذكرياتنا الجميلة وماضينا الأجمل؟ لكنِّي أدعو الله تعالى أن يكون لقاءنا ونحن في أرضنا الأولى والحبيبة فلسطين .

هل انتهت قصتنا عن جيرتنا وأهلنا وأحبتنا في الطوبجي؟ ,, بلا شك لم تنتهي ,, سيكون لنا جزئين آخرين إن كان هنالك في العمر بقية إن شاء الله عز وجل .

 

ابن حيفا والطوبجي

وائل محمد جبر الأسعد

20/2/2013

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 4

  • حياك الله اخ وائل على هذه المقالة الرائعة. وتحية طيبة خالصة ﻻخوتي وجيراني في منطقة الطوبجي والعشرين حوش...ونعم الجيران واﻻهل.

  • مقال رائع وموضوع جيد تشم منه رائحة الماضى العبق ونتذكر الرمن الجميل والذكريات الجميلة والحوادث اللطيفة كلام جميل انه صادر من القلب ويذهب الى القلب

  • كتبت فاوجزت قلما مبدعا واحساسا مرهفا نشكرك على ماكتبت فاصلت على الخير نلتقي

  • نطق قلمك ليعبر عن معدنك الاصيل وليطبع في ذاكرتناا نتم الاصلاء يا جيران الرضا مهما طال العمر ومهما بعدت المسافات يبقى فينا الحنين للجيرة الطيبة بارك الله بك وبأهلك الاعزاء وتحيات الحجةام مصطفى لكم جميعا

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+