النكبة تطارد الفلسطيني أينما وجد - محمد السودي

فلسطينيو العراق0

عدد القراء 1479

في ذكرى النكبة المستمرّة منذ خمسٍ وستين عاماً تستحضر الذاكرة الجمعية واقع التراجيديا الفلسطينية الأكثر إيلاماً ووجعاً عبر فصولٍ ومحطات لا تنتهي بل تشتدّ وطأتها عاماً بعد آخر جراء تشريد شعب أصيل عن وطنه وقع ضحية قوى الهيمنة والنفوذ الاستعماري لأكبر مؤامرة عالمية عرفها التاريخ المعاصر ، حين اختلّت موازين العدل وانهارت مفاهيم القيم الأخلاقية والإنسانية وأصدرت المنظمة الدولية شهادة ميلادٍ زائفة مبنيةً على شعوذات الأيديولوجيا الصهيونية المصنوعة في دهاليز مؤتمر بازل السويسري قبل غرّة القرن الماضي بثلاث أعوام ، إذ منحت أرض فلسطين التاريخية مهد الرسالات السماوية إلى من لا يستحقّ لإقامة كيانٍ غريب عن جغرافية المكان والزمان ، بالمقابل أضحى الشعب الفلسطيني في ذلك اليوم فريسة عصابات الإجرام الصهيونية المدعومة من حكومة الإنتداب البريطاني حيث روعّت السكان الآمنين وأقدمت على ارتكاب المجازر لطردهم من بيوتهم كتعبير صارخ عن سياسة التطهير العرقي الممنهجة ، كما ساهمت الدول العربية التي تولّت زمام التصدي للعصابات الصهيونية وفقاً لقرار الجامعة العربية بعد إرسالها جيش الإنقاذ لما عرف بحرب فلسطين عام 1948م بقيادة الجنرال البريطاني "غلوب باشا" وقامت بترحيل العوائل الفلسطينية ومنعت الثوار من مواجهة العدوان تحت ذريعة عدم إعاقة الخطط العسكرية وأصدرت قرارات تقضي بحل جميع المنظمات شبه العسكرية في فلسطين ثم عزلت جميع الأحزاب والهيئات السياسية عن متابعة القضية الفلسطينية أو الاشتراك في العمليات العسكرية ، وقال المؤرخون البارزون لتلك الحقبة الزمنية أن النظام الرسمي العربي كان لديه اتفاقيات غير معلنة مع الحكومة البريطانية بأن لا يتجاوز أي تحرك عسكري حدود قرار التقسيم الدولي رقم "181 " إضافة إلى عدم إظهار الحماسة لدى بعض العرب لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وكذلك كان الأمر تجاه حكومة عموم فلسطين التي شكّلها "أحمد حلمي عبدالباقي" في الثالث والعشرين من سبتمبر ومقرّها قطاع غزة ولم يتمّ الاعتراف بها على المستوى العربي أو الدولي ، بعبارة أخرى إبقاء الوصاية العربية على قضية الشعب الفلسطيني ومصادرة قراره الوطني المستقل ، بينما ساهمت عوامل هامة أيضاً في مقدمتها ضعف وتردد وتبعية القيادة الوطنية الفلسطينية آنذاك وعدم إلمامها الكافي لمجريات الأمور وإدراك مخاطر ما كانت تخطط له الحركة الصهيونية ما جعلها غير مؤهلة لقيادة الحركة الوطنية بشكلٍ مستقّل وفق إستراتيجية واضحة المعالم ، وهذا ما حدث بالفعل بعد أقل من عام على الكارثة خلال توقيع العرب فرادى اتفاقيات رودس والهدنة مع الكيان الغاصب .

لقد تنامى الوعي الوطني الفلسطيني باتجاه مهمات تحرير الأرض الفلسطينية بسواعد ابنائها ، مع تعاظم دور الأحزاب والحركات القومية العربية الناشئة في خمسينات القرن الماضي التي أجمعت برامجها على اعتبار قضية فلسطين هي القضية المركزية الأولى للأمة العربية ومسألة تحريرها من براثن الاحتلال الصهيوني واجب ملزم على كل عربي لاستعادة مكانتها وإعادة الاعتبار إليها إلى جانب سعيها لضرورات الوحدة العربية ورؤيتها للخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية للدول الاستعمارية،وبالتالي تشكلت عشرات الأحزاب والحركات والجمعيات ذات البعد القومي التحرري قبل انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة منتصف الستينات التي باشرت عملها العسكري على نطاق واسع بعد نكسة حزيران القاسية التي منيت بها الأنظمة العربية وخسرت فيها اراضٍ على الجبهات السورية والأردنية والمصرية كان لها تداعيات كارثية أدت الى نزوح كبير أضاف عبئاً ثقيلاً وأعاد إنشاء مخيمات جديدة لأهالي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان ، حيث أجبرت على غضّ الطرف عن انطلاقة مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني لامتصاص غضب الشارع العربي الناقم على تخاذل الأنظمة المهزومة ، ولكن شهر العسل هذا لم يدم طويلا بعد أن شعرت هذه الأنظمة مخاطر حالة الاصطفاف الشعبي العارم التواق للحرية والانعتاق من مخلفات الماضي السحيق، ما يعني عدم قدرتها على "ضبط الإيقاع" وفق ما كانت تريد الأمر الذي جعلها تتحرك بسرعة لكبح جماح المقاومة الفلسطينية المتصاعد من خلال استهدافها مباشرةً وحرفها عن مسارها باتجاهات متعددة أدت إلى خوض صراعات وحروب جانبية .

للنكبة إرهاصات ومفردات لا تقتصرعلى الجانب السياسي حسب ، إنما طالت أسس وركائز المجتمع الفلسطيني الذي لجأ ثم نزح نحو دول الجوار العربي على أمل العودة للديار بأقصى ما يمكن من وقت، وقلّة هاجرت إلى الخارج وكذا الأمر للفئة اللاجئة داخل الأراضي الفلسطينية أوتها الخيام أسوة بأقرانهم خارج الأراضي المحتلة وباتت الأسر الفلسطينية موزعّةً على اكثر من مكان لا يجمعها سوى خيام الذّل والهوان وسوء المعاملة والحرمان من أبسط مقومات الحياة الآدمية وظلم ذوي القربى تحت ذرائع وحجج واهية للحفاظ على القضية الفلسطينية من الذوبان في إطار المجتمعات العربية كما يزعمون ، وبالتالي يحرم الفلسطيني من المسكن وحرية العمل والتملك والتنقّل وأصدروا له وثائق خاصة تميّز اللاجئ عن غيره ولا تؤهله الدخول لبعض الدول التي تمنحه هذه الوثائق ، كما فرضت عليه الخدمة الإلزامية في جيوش التحرير الفلسطينية التابعة لرئاسة أركان هذه الدول بما يخدم سياساتها الداخلية وزجّها في أتون الصراعات الإقليمية إذا لزم الأمر واستخدامها أحيانا ضد الثورة وجماهيرها ،أما الجزء الأصيل من شعبنا الذي أثر البقاء على أرض الأباء والأجداد بالرغم من إرهاب المحتلين فلا زال يخوض "النضال" الدؤوب للحصول على حقوقه كاملةً في مواجهة القوانين العنصرية والتهويد وتغيير الملامح الجغرافية والديمغرافية ومحاولات إلغاء الذاكرة الفلسطينية من قاموس النكبة ، أمام كل ذلك استطاعت الثورة الفلسطينية من إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على الخارطة الدولية وتراكم الإنجازات وكان أخرها اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين عضو مراقب خطوة على طريق الاعتراف الكامل الذي ينبغي استثمار مزاياه بالانضمام إلى الوكالات الدولية خاصة محاكم جرائم الحرب وتقديم الجناة إليها، وتمكنّت من استعادة التمثيل الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني باعتبارها الكيان المعنوي والسياسي الجامع ولازالت تخوض غمار الصراع مع الاحتلال الغاشم الذي يسعى إلى تقويض أسس الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، لكن الكفاح الوطني سيستمر جيلا ًبعد جيل حتى تحرير الأرض وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم التي شردوا منها عنوةً بكونه يشكّل جوهر المشروع الوطني .

إن ذكرى النكبة التي تتفرع عنها اليوم نكبات وكوارث عديدة بحق مخيمات شعبنا في الشتات وزجّهم في دائرة الدم المستباح التي تأكل نيرانها شبابنا وأسرنا وتهيم بهم في اللا مكان مكشوفي الظهر دون ذنب ارتكبوه ، تحتم على جميع القوى الفلسطينية النهوض بواقع المشروع الوطني الفلسطيني وتحمل مسؤولياتهم التاريخية بما يتناسب وحجم التحديات الكبيرة التي تواجهه ، لذلك ينبغي الخروج من دوامة المراوحة في المكان وتنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية على قاعدة ما تم الاتفاق بشأنه دون إبطاء أو تسويف وتثوير كافة الطاقات الكامنة لدى شعبنا وتوفير الإمكانيات في مواجهة الاحتلال البغيض وحلفاؤه في البيت الأبيض عرّابي الحلول القاتلة لحقوق الشعب الفلسطيني وإلا ستبقى أثار النكبة تطارد الفلسطيني أينما وجد .

 

محمد السودي

15/5/2013

 

المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+