الشعارات البراقة وكذب المقاومة - محمود الشنغوبي

السبيل الأردنية0

عدد القراء 1090

محمود الشنغوبي

أعلم يقيناً أننا لا نفعل شيئا حين نقرر أن نتضامن مع أيٍ من الشعوب المضطهدة سوى أن نهتف لأجلهم بعد صلاة الجمعة في الساحات ثم نعود أدراجنا ونختبئ، وهكذا حتى تأتي الجمعة التالية ليكون هناك شعب آخر نهتف له ونسمي الجمعة باسمه تضامناً معه، ولكننا على الأقل نصدق القول والشعور، وهذا أعلم أنه "أضعف الإيمان".

وعلى الجانب الآخر تخرج شعارات سياسية يغلب عليها مصادرة العقل ومصادمة الفطرة التي جبلنا عليها، ولكنها لا تملك من البريق ما يجذب العقول الناضجة إليها، بيد أنها قادرة على التسلل إلى الكثير من العقول البسيطة والعواطف المتأججة، اعتقادا منهم أن اللجوء إلى الشعارات البراقة سيكون لهم بمثابة النفق الوحيد الذي يمكنهم أن يتسللوا منه.

شعارات استغلت حالة الشعور بالانكسار والهزيمة التي يعاني منها المواطن العربي في وقتنا الحاضر أمام استكبار وغطرسة القوى "العظمى" والأنظمة التابعة لها. فكان سهلا عليها الوصول إلى تعاطف الجماهير ودغدغة مشاعر البسطاء في تقمص أدوار الممانعة والمواجهة، غير أن الخداع مهما استمر فلابد له من أن ينتهي، والشعار مهما أغرى فلابد له من ينكشف زيفه.

ورغم أن تلك الشعارات الخادعة كانت ولا تزال تأخذ حجمها الهائل من الضجيج، وتصطاد الكثير من البسطاء، إلا أن الكثيرين باتوا يدركون خواء تلك الشعارات من أي مصداقية، ويتكشف لهم أنها لا تملك أي قدر من الحقيقة على الأرض، فلا عداء لأحد، ولا مواجهة لأعداء أو متربصين، بل على العكس تماما، شهدت وتشهد سجلات التاريخ بأن من يطلق على نفسه الممانع كان الأقرب دائماً إلى أعداء الأمة، وكان في كل زمان ومكان هو المطية التي يستخدمها الخصوم للنيل من الأمة والنكاية بها.

أصحاب الشعارات البراقة في كل من إيران والعراق ولبنان وسورية هم الامتداد المستمر لنموذج الاستخفاف والاستهتار بعقول جماهيرنا ومجتمعاتنا، فالشعارات تنادي وتهتف في وادٍ والوقائع على الأرض في وادٍ آخر، فالشعارات والخطابات تتزايد، والاستباحة والقتل والمجازر والجرائم في الشعوب باقية على حالها.

تنادي شعارات الزيف الخادعة بالموت لأمريكا و"إسرائيل" وتسجل الأفعال أقبح صور القتل والاستباحة للدماء والأعراض، كما حدث ويحدث في سورية منذ ما يقرب العامين.

أصحاب شعارات الموت لأمريكا في إيران يفاخرون العالم بأنهم من مكن الأمريكان من احتلال العراق، ولولاهم لما تمكنوا من البقاء في العراق طيلة السنوات الماضية، وأباحوا لهم بلادهم وثرواتهم، وأصدروا فتاواهم الصارمة التي تحرم كافة أشكال المقاومة للمحتل الأمريكي.

أصحاب شعارات المواجهة والممانعة والموت لأمريكا و"إسرائيل" هم من مكنوهم من احتلال الجولان دون أدنى مقاومة، وهم الذين يقفون عديمي الفعل تجاه ذلك الاحتلال للأراضي السورية، وهم من يرتكب اليوم أقسى المجازر وجرائم الإبادة الجماعية في حق الشعب العربي السوري.

استهلكتم قواكم وأنهكتم أنفسكم بشعارات لنصرة القضية الفلسطينية، فأثبتت الأحداث أن فرق الموت التابعة لكم هي من كانت وراء عمليات الإبادة والتصفية التي تعرض لها الفلسطينيون بالعراق، والمجازر التي نفذت بحق الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين في لبنان دليل صارخ على كذب كل تلك الشعارات. وكم تبجح النظام في سورية بمواقفه الصلبة تجاه الغرب و"إسرائيل" في الوقت الذي نسي أو تناسى أراضيه المحتلة في الجولان.

ورغم ذلك ما زلتم سائرين على ذلك النهج القائم على تضليل الشعارات.

والسؤال الساذج ذاته، ماذا قدم أصحاب الشعارات البراقة لفلسطين أو سورية؟ هل قدموا شيئا أكثر من الشعارات؟.

ففي سورية وحدها، يتساءل الشعب بسجية المؤمن، ما جدوى كل تلك الملايين التي تنثر في الهواء والأرواح التي تزهق على الأرض، أم أن فيلق النصرة والصمود والممانعة قد ضل طريقه إلى القدس واتجه صوب الشام وحلب ودرعا؟.

وفي سورية.. الشعب وحده من يدفع فاتورة نضاله القاسية من الأرواح والمساكن، ويكابدون الويلات وحدهم ويواجهون جيشاً فاشياً تميز بطائفيته، وبكامل عتاده، ويتصدون لكل تلك الترسانة، لكنهم رغم كل ذلك ينتصرون بعزيمتهم ورباطة جأشهم.

وفي فلسطين.. كم من شاب سجن بريئا، أو انتهى به المطاف إلى المطاردة والملاحقة، فأنساه الاحتلال طريق بيته، وكم من سجين رأى وقع الظلم، فلجأ إلى "حرب الأمعاء" حتى غابت عنه نعمة الصحة، وكم من مظلوم صبر واحتمل في لحظة قهر الرجال، وكم من قاصر مراهق أحب وطنه ورمى حجرا، فحرموه حضن أمه، وكم من قريب أو صديق زحف إلى الموت بيديه وقد رأى إذلال الغاصبين لأهله، ولم يرفقوا لا في شيخ مسن، ولا في أم عجوز تشتاق إلى عناق ابنها، وكم من طفل رضيع ما شبع من وجه أبيه، أو فطم إكراها حين قتلوا أمه.

وفي فلسطين.. كم من شاب لم يجد العدل ولا العدالة، فالاحتلال يطارده، ومنظمات الحقوق لا تعرف له مكانا، والمجتمع الدولي يخافه.

يا من تدعون بأنكم أنصار الشريعة وأنصار المظلومين في الأرض، كلنا أنصارها وكلنا أبناؤها وكلنا رجالها، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثهِ « لا يزالُ المؤمنُ في فسحةٍ من دينِه ، ما لم يصبْ دمًا حرامًا » . ترى هل سمعتم بهذا الحديث الشريف أو مر عليكم من قبل؟ ترى هل طاب نومكم بعد أن أغرقتم البلاد بدماء أبنائها؟ ألم يكن لكم نصيب من فهم دروس الثورات في الدول العربية المجاورة؟ هل كان لكم نصيب من فهم ما حدث للحكام المستبدين وما وصلوا اليه من الذل بعد العز؟ أم هل تظنون أنكم ومن معكم تملكون الحصانة الخاصة ولن يصلكم الإعصار الذي أخذ غيركم قبلكم؟ أم أنكم تذهبون للنوم قريري العيون على فراشكم الوثير وتشعرون براحة لأنكم أديتم ما عليكم وزيادة؟.

يا أنصار ما تزعمون، إن هدم الكعبة أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم.

ولكنكم وفي حقيقتكم أنكم قد صنعكم غيركم، فالتقت مصالحكم مع عدوكم، ولا فرق عندنا بين المقارن والقرين، فمن يظن أنه سيطبق شرعه فينا من على فوهة المدافع الكاذبة والمصنوعة من الورق فهو مخطئ، ومن يظن أن خطابه الواهن سيؤثر فينا بعد اليوم فهو مخطئ، ولكننا ورغم ذلك لن نتخلى عنكم، فأنتم أخوة العقيدة، وأعتقد بأنكم قد أخطأتم التقدير، فأنتم ضحايا اللعبة التي أرادها عدونا وعدوكم، فعودوا إلى رشدكم، أو اتركوا "النضال" لنا والتحرير، ولتُرفع القبعات تحية لمن انتصر في غزة، ومن سينتصر في سورية بإذن الله.

 

المصدر : جريدة السبيل الأردنية

3/9/2013

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+