عن فلسطين وسقوط أنظمة الاستبداد العربية - ماجد عزام

معا0

عدد القراء 1057

الكاتب: ماجد عزام

عُقدَ مؤتمر هرتسيليا السنوي نهاية العام 2002 على وقع التهديدات والاستعدادات الأمريكية لغزو العراق، وتبارى المسؤولون "الإسرائيليون" السياسيون والأمنيون في السلطة والمعارضة في الترحيب بالغزو والادعاء بأن سقوط النظام العراقي سيوجه ضربة قاصمة للانتفاضة والقضية والحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام وسيجبرها على الاستسلام أمام "إسرائيل"، علماً أن هذا الغزو كان أحد العوامل الرئيسية التي وقفت خلف تفكير رئيس الوزراء السابق آرئيل شارون في خطة الانفصال من جانب واحد عن الفلسطينيين والانسحاب الأحادي من غزة، على أن يتم توسيعه بعد ذلك إلى الضفة الغربية ضمن ما عرف بخطة الانطواء واستغلال الغزو وتداعياته المأمولة، لفرض حدود "إسرائيل" الشرقية وفق مصالحها الحيوية الأمنية والإستراتيجية بغض النظر عن المصالح أو التطلعات الفلسطينية.

وحده الجنرال آفي ديختر الذي كان آنذاك قائد لجهاز الأمن العام الشاباك، الجهاز الأكثر تماساً مع الفلسطينيين، عارض ميل زملائه الجارف والمستلب لفكرة أن غزو العراق سيوجه ضربة قاصمة للانتفاضة والحركة الوطنية الفلسطينية، وذهب عكس ذلك إلى حد التناقض؛ مشيراً إلى أن الفلسطينيين يعتبرون أن قضيتهم بمثابة القضية المركزية في المنطقة، وأنهم قد يتأثّرون نفسياً أو سياسياً بشكل طفيف من سقوط النظام العراقي، ولكنهم سيمضون قدماً على طريق تحقيق آمالهم وطموحاتهم الوطنية المشروعة من وجهة نظرهم حسب تعبير الجنرال "الإسرائيلي".

حصل بالضبط ما توقعه ديختر فلم يؤثر سقوط النظام العراقي الحليف التاريخي لمنظمة التحرير والشعب الفلسطيني على الانتفاضة الثانية، وحتى على المعنويات الفلسطينية أو المشروع الوطني بشكل عام، واستمرت الانتفاضة بعد ذلك لسنتين على الأقل إلى أن تم التوصل إلى التهدئة المرّة في إعلان القاهرة –آذار/مارس 2005، والذي جاء نتيجة تلاقي الرغبات بين حماس وفتح، حيث سعت الأولى وراء الشرعية "الديموقراطية" والشعبية بعد الشرعية "النضالية" والميدانية، وسعت قيادة فتح التي خلفت الرئيس "الشهيد" ياسر عرفات من أجل الحصول على التفويض "الديموقراطي" اللازم للمضي قدماً في خيار المفاوضات والتسوية وقيادة الشعب الفلسطيني بشكل عام، علماً أن هذا الإعلان استبطن كذلك شعور فلسطيني بالأثمان الباهظة التى تحملها الناس نتيجة الانتفاضة الثانية المسلحة والعنيفة وضرورة، بل حتمية البحث عن وسائل أخرى ودائماً على طريق المضي قدماً نحو تحقيق الآمال والطموحات الوطنية.

الآن يحصل شيء مشابه، ولكن في الاتجاه العكسي، وفي ظل نقاش "إسرائيلي" هادئ منضبط وحذر تتعالى أصوات فلسطينية وعربية تحذر من تداعيات سقوط النظام السوري على القضية الفلسطينية، وتزعم من أن هذا الأمر حالة حدوثه سيوجه ضربة قاصمة للمقاومة والمشروع الوطني الفلسطيني بشكل عام.

المنطق خاطئ تماماً ليس فقط من الزاوية الأخلاقية، وإنما من الزاويتين التاريخية والسياسية، أيضاً خاصة في ظل السعي الحثيث والخبيت للإيحاء وكأن تاريخ سورية المقاوم بدأ فقط مع النظام "البعثي" وحكم آل الأسد.

فأخلاقياً لا يجب تجاهل أو التنكّر لجرائم النظام الموصوفة ضد شعبه خلال العقود الأربعة الأخيرة على الأقل، وبناء أو تحقيق الآمال والطموحات الفلسطينية على دماء وعذابات الشعب السوري، ولا يمكن أن تصل الانتهازية أو يبلغ النفاق حد التحالف مع نظام قمع قهر أذل شعبه بحجة أن ذلك ضروري من أجل المصلحة الفلسطينية.

أخلاقياً، أيضاً لا يمكن الادعاء أو الزعم بعدالة القضية الفلسطينية وقدسيتها، وفي نفس الوقت التحالف مع مجرمين وقتلة فاسدين ومستبدين بذريعة الرغبة في وصولها إلى بر الأمان ونجاحها في تحقيق أهدافها المشروعة والمحقة.

وقبل ذلك وبعده، فإن من فشل في امتحان الخبز الحرية الكرامة لا يمكن أن ينجح في امتحان فلسطين، ومن عجز عن توفير الحرية لشعبه لا يمكنه بالضرورة أن يوفر أو يساهم في توفير الحرية لفلسطين وشعبها.

أما تاريخياً، فقد أرسلت سورية سليمان الحلبي وجول جمال إلى مصر، وعز الدين القسام وفوزي قاوقجي إلى فلسطين، وساهمت في تأسيس الجامعة العربية، واستقبلت اللاجئين الفلسطينيين. كما ينبغي وعاملتهم معاملة كريمة ولائقة، وأبرمت الوحدة مع مصر، وكل هذا قبل أن يصل حزب "البعث" وآل الأسد إلى السلطة.

من الزاوية السياسية؛ لم يدخر النظام السوري جهداً لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحجيم قيادتها ممثلة في منظمة التحرير، وأوغل في الدم الفلسطيني على المستوى الجماعي. كما حصل في مخيمات تل الزعتر، البداوي، نهر البارد، وبرج البراجنة، والفردي. كما حصل مع العميد سعد صايل وآخرين. وكانت القطيعة هي القاعدة في العلاقة بين المنظمة وآل الأسد، والتواصل هو الاستثناء في ظل سعي النظام السوري الدائم لاستثمار الورقة الفلسطينية من أجل مصالحة الخاصة الذي يتمحور بقاؤه في المركز منها.

سياسياً أيضاً؛ فجر الشعب الفلسطيني الانتفاضة الأولى في ظل قطيعة تامة بين فتح ومنظمة التحرير من جهة، والنظام السوري من جهة أخرى. وعندما انخرطت حماس بقوة في الانتفاضة متحوّلة إلى رقم صعب على الساحة الفلسطينية، لم تكن قد أقامت بعد أي صلات أو علاقات مع النظام السوري.

وعند اندلاع الانتفاضة الثانية، كانت القطيعة ما زالت سائدة بين فتح والنظام السوري، الذي قطع عبر حلفائه وأعوانه البث عن الرئيس ياسر عرفات في قمة بيروت 2002 بطريقة مهينة ليست له فقط، وإنما للشعب الفلسطيني بشكل عام، بينما العلاقات بين حماس والنظام كانت في بدايتها الأولى والخجولة، وببساطة فجّر الشعب الفلسطيني انتفاضتين تاريخيتين عملاقتين استمرتا لعقد من الزمن تقريباً في ظل قطيعة تامة بين قواه الوطنية الكبرى والنظام في دمشق.

في السنوات الأخيرة بات تأثير النظام السوري فلسطينياً سلبياً أكثر عبر تكريس الانقسام ومساعدة حماس على إقامة سلطتها أو إمارتها الخاصة في غزة، والأسوأ من ذلك نصب مصيدة عسل لها وتشجيعها على إقامة جيشها الخاص على الطريقة اللبنانية، وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار لبنان وإيصاله إلى حافة الحرب الأهلية، وتدمير غزة مرتين في ثلاث سنوات، وإعادتها سنوات طويلة إلى الوراء خاصة فيما يتعلق بالبنى التحتية والرفاه الاجتماعي.

أخيراً وباختصار، وفي ضوء المعطيات السابقة لن يكون لسقوط النظام السوري – الحتمي - أي تداعيات سلبية على القضية الفلسطينية والمشروع الوطني، بل على العكس قد تكون له آثار إيجابية ولو بشكل غير مباشر عبر المساعدة على إنهاء الانقسام والقطع مع ذهنية العسكرة والانتباه إلى أن ساحة المقاومة الرئيسية هي في الضفة الغربية، حيث الوقائع مؤاتية تماماً لمقاومة شعبية جماهيرية أقرب إلى نموذج الانتفاضة الأولى مع الاقتناع التام بأن دولة سورية مدنية حرة "ديموقراطية" لن تتخلى عن مسؤوليتها ومصالحها الوطنية و"القومية" لا تجاه شعبها ولا تجاه الشعب الفلسطيني أيضاً.

 

المصدر : وكالة معا الإخبارية

30/9/2013

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 0

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+