السيدة صديقة مرتضى ملحم (أم جمال النسب) – عبدالحميد شاهين

فلسطينيو العراق11

عدد القراء 5413

استقبلتني بوجهها الفلسطيني الأصيل، وغطاء رأسها الأبيض الذي لا يليق بغير أمهاتنا الطيبات الطاهرات. إنني الآن في طلائع شهر نوفمبر، تشرين الثاني من عام 1978م أرسلني أبي رحمه الله من قلب بغداد لأبيت في الشقة رقم 9 من المدخل الأول في عمارة الحرية في تلك الضاحية البغدادية الشرقية المسماة بالبلديات، حتى تنتقل العائلة إليها شيئاً فشيئاً، وقد كان أبي رحمه الله تسلمها لتوه في حينه، وهذه هي السيدة أم جمال، الحاجة صديقة مرتضى ملحم التي طرقت عليها الباب لأسألها عن مكان بيتنا الجديد، رحبت بي كثيراً، وهشت وبشت، وألحت علي بالدخول للضيافة، لكنني أبيتُ بداعي الخجل. كنت بلغت الثالثة عشر من عمري قبل شهرين فقط من ذلك اليوم، أشعرتني حرارة استقبالها ونظراتها التي تجمع بين حياء الأمهات وحنانهن والصدق الذي عهدناه في كبارنا نساءً ورجالاً، أشعرني ذلك بالأمان والطمأنينة.

1- دينها كان المصلون في وقتها قلة، وكانت أم جمال من المحافظات على الصلاة، وكانت تحث غيرها على المحافظة على الصلاة.
وكان ممن تأثر بها ابنها صديقي الوفي عامر، الذي كان من أوائل مرتادي مسجد السيد سلمان في المشتل في حدود سنة 1980م، والذي كان له أطيب الأثر على غيره من الشباب في عمره، ومنهم كاتب هذه السطور من حياة والدتنا الكريمة الحاجة صديقة رحمها الله.
وإن كنت أنسى لستُ أنسى ذلك الجمع الطيب الذي كنا نقطع به الطريق (الصحراوي) الذي كان يربط بين البلديات والمشتل مع عامر وأبو محمود نايف رحمه الله وأبو رأفت ماضي وعبدالحكيم العثمان ووليد ملحم وغيرهم لندرك الصلوات في مسجد المشتل القديم، حيث لم يكن مسجد القدس قد بني بعد.
كانت أم جمال تحرص على زيارة جيرانها، ويا لطيب معشرها وحلاوة كلامها الذي ملؤه البراءة والعذوبة، مع تميز حديثها بالأمثال الفلسطينية التي تحض على مكارم الأخلاق، والتي ورثتها من أيام (البلاد).

2- تقواها أذكر في ذلك أني أتيت إليها مرة، (في حدود سنة 1990م) وسألتها أن تأتي برفقتي لتغسيل امرأة توفيت في حي الرئاسة القريب من حي البلديات، كنت يومئذ في حدود الخامسة والعشرين، وكانت هي أكبر من والدتي بكثير، ومع ذلك أبت أن تركب معي بسبب الخوف من الخلوة المحرمة، حتى دعوت أختي الصغرى فوافقت وذهبنا بها وغسلت المرأة.

3- كرمها أحببت هذه المرأة حباً لا يمكن وصفه، بل صرت أتصورها كأمي تماماً، وهي كذلك كانت كلما رأتني استقبلتني بأحسن استقبال، كانت كلما زرت أبناءها الذين كانت هي رحمة الله عليها السبب الأول في محبتي لصحبتهم أعدت الضيافة كأحسن ما تكون، فهي امرأة كريمة حتى في أحلك الظروف التي مررنا بها جميعاً، وعلى الأخص في فترة الحصار على العراق.

4- محبتي لها كانت أم جمال هي المرأة الوحيدة في عمارة الحرية التي كان الجميع يحبها لما تقدم من دينها وخلقها وكرمها، أما أنا فكنت أتمنى لفرط محبتي لها أن لو كان بإمكاني البقاء والعيش معها أبداً.

5- رحلة العمرة برفقتها.
ويشاء الله ويقدر أن تكون رحلتي الثانية إلى بيت الله الحرام برفقة ولديها صديقيَّ الكريمين عامر ومحمود (حمدان) وأن تكون أم جمال معنا ، بالإضافة إلى زوجة عامر الأخت أم عمر التي كانت تحمل يومذاك ابنها الأول عمر على ذراعيها صغيراً رضيعاً، وكان ذلك في رمضان 1408/ 1988، وسكنا في نفس البيت، وقضينا أطيب وألذ وأجمل أيام العمر في العشر الأواخر من رمضان هناك بقرب البيت العتيق، وعدنا سوياً إلى أرض العراق، وهي أيام لا يمكنني نسيانها لسبب بسيط هو وجود الحاجة أم جمال في كل مشاهد تلك الأيام الطيبة الجميلة.

لقد دفعني طيب هذه المرأة، بل طيب أسرتها إلى أن أحاول مرة الاقتران بإحدى كريماتها، لكن الله لم يقدر لي هذا الشرف، ثم كررت المحاولة مرة أخرى بطلب الاقتران بإحدى حفيداتها، ويشاء الله تعالى أن لا يكون ذلك، فهو الحكيم العليم الذي بيده مقادير الخلائق، ولا معقب لحكمه. لكن ذلك لم يقلل من احترامي ومحبتي للحاجة أم جمال ولا لأسرتها الطيبة، ولم يقلل كذلك من تواصلي معهم جميعاً، ولا من مشاركتي في أفراحهم وأحزانهم.

وفاتها:
في 23/11/2005 وهو اليوم الذي فرج الله عني فيه من أسر قوات الاحتلال الأمريكي ، تلقيت خبر وفاة الحاجة أم جمال، وكانت توفيت أثناء أسري، لكن أحداً لم يخبرني، وقع الخبر علي كالصاعقة، وحزنت لموتها حزناً شديداً نسيت معه فرحة خروجي من الأسر، رددّتُ حينها ودموعي تتحدر على وجنتيّ، وقلبي يعصره الألم: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمك الله يا أم جمال وأسكنك الجنة برحمته، وأخلفك في عقبك بخير، وجمعنا بك في دار كرامته وغفر لنا ولك، إنه هو الغفور الرحيم.

لا أراني وفيت هذه المرأة الطيبة النبيلة حقها بهذه السطور المتواضعة جداً، فحياتها تحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من ذلك، ولعل الله تعالى أن يوفق أولادها وبناتها إلى أن يتحفونا بنشر سيرتها الطيبة، وهو أقل ما يمكن أن يقدم لمثلها وفاءً وعرفاناً.

 

عبدالحميد شاهين

28/11/2013

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

 

الكلمات الوصفية

اترك تعليقك

التعليقات 11

  • حياك الله حبيبي أحمد، وبارك الله فيك على تعليقك الطيب ودعائك الأطيب. وفقك الله.

  • أعزك الله ورفع قدرك وجعل الجنة دارك وقرارك أخي عز الدين، وجعلك من السعداء في الدارين. لأنت والله أولى بما ذكرته عني، أسأل الله لك ولأهل بيتك وذريتك ومن تحب كل خير وسداد، والثبات على الدين حتى اليقين. اشتقنا لكم أخي كثيراً. اللهم اجمعني وأخي عز الدين على الحب فيك، وعلى الهدى والإيمان والعمل لنصرة دينك في كل مكان يا رب العالمين.

  • الاخوة الاعزاء الافاضل القراء لتعرفوا ان هذا الكلام ذو مغزى وذو معنى فيما طرحة وتطرق اليه الشيخ عبدالحميد والفاضل ابو مهند من منا من منكم تقدم لمصاهرة عائلة ولم يكتب الله نصيب له ويبقى على نفس العلاقة والمودة مع هذه العائلة والذين فى قول او تعبير البعض انهم رفضوه بينما المسلم الحق المؤمن بالقدر خيره وشره يقول ماكو قسمة وكم واحد خطب وانفصل عن خطيبته او عن زوجته لاسباب ما انه القسمة والنصيب انه قدر الله وامر الله ومشيئة الله تحياتي من العراق موطن ذكريات الشيخ عبدالحميد وتحياتى للاخ الفاضل الاستاذ ابو مهند وعائلته الكريمة ولو اني لم اتشرف بمعرفة قوية مع الشيخ عبدالحميد قاتل الله الغربة واشدد على يديه فى الكتابة واطلب من الله الرحمة للمرحومة بإذن الله ام جمال التى ربت اولادها على ارتياد المساجد والتربية الفاضلة وشكرا

  • وإياك أخي الحبيب رشيد وفقك الله إلى طاعته، وثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وجمعني وإياك على الحق والهدى دائماً حتى نلقاه.

  • لا يحس الإنسان بقيمة أخيه وصاحبه، بل لا يحس بقيمة شيء إلا حين يفقده، فلا يحس بقيمة نِعَم السمع والبصر وغيرها من الحواس إلا من فقدها، كما لا يشعر بقيمة الجار ومعنى أن يكون له جار طيب يحبه إلا من ابتلي بجار سوء.. وهكذا في سائر الأمور. ونحن يا أخي الكبير (أبو مهند) لم نرَ منكم كجيران إلا كل خير، فأحببناكم لا لشيء إلا لله وفي الله، وهذا النوع من الحب هو الذي يدوم ويبقى، بل تبقى آثاره مهما مضى عليه من سنين، وهذا هو حبي لكم آلَ النسب، لا يحول ولا يزول بإذن الله، وأنا لم أحس بقيمتكم ومحبتكم بمعناها الحقيقي هذا إلا حين حُرمنا من تلك الجيرة الطيبة، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، فقد شاء ذلك وقدره لحكمة عنده لا نعلمها، فلعل انتشارنا في أصقاع الأرض المختلفة يكون لخير أراده الله بنا، ومن ذلك أنه سبحانه قد حمّلنا مسؤولية العمل لديننا وتبليغه للناس في أماكن لم يكن أحدنا يتصور أن تطأها قدماه يوماً، فسبحان من له في خلقه شؤون لا يعلمها سواه. لم أذكر -أخي الحبيب الغالي- تلك النقطة التي ركزتَ أنت عليها إلا في إطار محبتي لوالدتنا الغالية أم جمال رحمها الله وأنار ضريحها، وسعيي للتقرب منها ومنكم لما ذكرت من فضلها ودينها وكرمها، ولم أذكره لبيان فضل لي في ذلك أبداً، فهذا هو ما يجب على المسلم للمسلم، ولا يجوز ربط شيئ بشيء لا علاقة ولا رابط بينهما أصلاً، ثم إن الأمر في النهاية مكتوب عند من يعلم السر وأخفى، ونحن عبيده ونواصينا بيده، وحكمه ماضٍ فينا مهما احتلنا أو اجتهدنا في تحصيل ما لم يكتبه لنا. أفرحتني والله كلماتك المضطرمة بالمشاعر الصادقة والأخوة الحقة أبا مهند، وأشعرتني أنّا لم نفترق على الرغم من تباعد المسافات، فقلوبنا لم تتغير، فهي باقية على عهدها، ولن تتغير بإذن الله تعالى. أحييك أيها الأخ الشهم، وأدعو لك بصلاح الدين والدنيا، وأن يمن الله عليك وعلى أهلك وذريتك بالصحة والعافية وطول العمر في عمل صالح وتقوى، إنه هو الجواد الكريم. كما أغتنم هذه الفرصة الطيبة لأبعث بتحيات حارة إلى الإخوة الكرام عامر ومحمود ومحمد وعادل وكمال وجميع أهلي من آل النسب كباراً وصغاراً أينما كانوا.

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,, أخي وصديقي وأستاذي ألفاضل أبا صهيب ألمحترم ,, كم بي من شوق وحنين للقائك ,, والأستماع لحديثك الطيب ألعذب ألرطب ,, وهدوئك ألجم ,, حين بنفعل أو يغضب من حولك ,, وحين تعلو محياك تلك الأبتسامة ألهادئة ,, التي تبعث في النفس ألراحة وألطمئنية ,, وسعيك ألمستمر ألذي لاتكل فيه ولا تمل ,, وتتحمل ألكثير ,, حين تجاهد في اصلاح ذات البين ,, بين كل من شب بينهم من خلاف أو زعل ,, فلك في هذا ألمجال صولات وجولات ,, أكاد أقول بحقك أنك كنت ( تستميت ) لتعيد ألمياه ألى مجاريها ,, ولو أن أمر ألمصالحة تطلب منك العمل مثل ( مكوك الحائك ) ذهابأ وأياباً ,, حتى تتم الأمر بما يرضي الله عز وجل ,, وأرفع أكفي الى السماء متضرعاً بدعائي الى الله أن يغفر ويرحم حبيبي وأخي وصديقي وعمي الغالي علي أبو جبر رحمه الله ,, وسلامي وتحياتي لك ولكل أهلي الأحباء من آل الأسعد ألكرام الطيبين ,, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,, أخيك ومحبك أبو مهند ألنسب ...

  • عمي ابو مهند ان ما ذكرته من وصف لاخينا وشيخنا الفاضل عبدالحميد ابو عزام اقل بكثير مما يستاهل فنحن جميعنا نعرفه من الاخوة الملتزمين الذين يخافون الله والذين لديهم غيرة على دينهم والتزامهم وانتم كذلك من عائلة محترمة ملتزمة تخاف الله حفظكم الله ورعاكم وجعل الجنة مثواكم وحقق الله مبتغاكم وحفظ ذرياتكم سلامي الى جميع اخوتك ان تكلمت معم اخوكم وجاركم عزالدين الاسعد ابو الحارث من اليمن السعيد

  • اخي وشيخنا الفاضل عبدالحميد كفيت ووفيت على ما تكلمت من سيرة عطرة للحاجة ام جمال رحمها الله وجعل مثواها الجنة فقد كانت علم من اعلام نساء فلسطين انذاك وقد ربت اولادها افضل تربية فهم ممن نشهد لهم بالخير ان كان عمي ابو مهند او ابو عمر ابو حمدان ابو عائشة او الاخ عادل وكمال ومحمد فقد كانوا جميعهم من رواد المسجد ولها اصهار رائعون كالحاج ابو محمود رحمه الله والاخ ابو خالد الطيب كما اتمنى دوما ان تتحفنا بالسير الرائعة التي تتحف ابناء شعبنا الفلسطيني من نساء ورجال فقد تذكرت مجمع البلديات الذي كان مليء بالاهل والاصدقاء أسأل الله ان يجمعنا بكم في الفردوس الاعلى كما اهدي سلامي الى اخوتي اولاد المرحومة بإذن الله ام جمال ابو مهند جارنا العزيز وابو عمر صديقنا وابو عائشة الغالي الطيب وعادل ومحمد وكمال وفقكم الله جميعا وبوركت اينما كنت اخي العزيز ابو عزام الطيب وفقك الله ورعاك وجعل الجنة مثواي ومثواك وحقق لك مبتغاك انه ولي ذلك والقادر عليه

  • جزاك الله خير على ما ذكرته من طيبها وكرمها رحمها الله ونسأل الله ان يحشرها مع الانبياء والصديقين ان شاء الله وجزاك الله خير سلامي

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,, أخي وصديقي ألغالي عبدالحميد ,, جزاك الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة ,, على التفاتتك الكريمة ,, التي عبرتها فيها عن أصل معدنك ,, ونبل خلقك ,, وسماحة أخلاقك ,, فأنت أنت ياخي منذ عرفتك ,, صادق مع نفسك ومع كل من يحيطيون بك ,, واسمح لي أن أتوقف عند موضوع لخصته ببعض كلمات ,, وقد البعض لم يتنبه اليه ,, فهو الدليل القاطع على شيمتك الطيبة ,, وإيمانك الصادق والذي أشهد لك فيه أمام الخلائق في الدنيا ,, ويوم يقوم الحساب ,, نعم أخينا عبدالحميد تقدم لخطبة احدى شقيقاتي ولكنه لم يتم ذلك ,, فأدام علاقته بنا نحن أبناء المرحومة بإذن الله صديقة مرتضى ملحم ,, بل زاد في تقربه وتودده الينا ,, وكأن شيئاَ لم يكون ,,, وبعد سنوات تقدم لخطبة احدى بناتي وأيضاَ لم يرد الله أن يتم ذلك (( ونحن لنا الشرف الكبير في مصاهرته )) ,, وبقي أخينا ألفاضل على علاقته بنا يزورنا في أفراحنا وأترااحنا ,, يبارك لنا ويعزينا ,, يُهنئنا ويواسينا,, لم يبخل يوماَ بالسؤال عنا أن عز عليه زيارتنا ,, فوالله الذي لا اله الا هو ,, لم أرى رجلاَ مثلك ,, لم يوفق بمصاهرة عائلة مرتين ,, ويبقى على علاقته بهم سواك ,, تقبل أخي ألحبيب مني ومن جميع أفراد أسرتي كل الحب والتقدير ,, وفلتكن تجربتك معنا عبرة ودرس لكل مسلم ,, وكل محب صادق ,, بأن لا يقطع ما وصله من ذي قبل ,, أن لم يوفق بمصاهرتهم ,, وأخيراً أخي الغالي ,, وان فرقتنا الأيام والسنين ,, أسأل الباري عز وجل أن يجمعنا واياك عنده في الفردوس الأعلى ,, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  • اخى فضيلة الشيخ عبدالحميد جزاك الله كل خير فيما كتبته عن السيدة الفاضلة رحمها الله تعالى عملا بقوله تعالى { ... ولا تنسوا الفضل بينكم ... } وبما جاء في الحديث الشريف ( ... خير الناس انفعهم للناس ) وما جاء في الحديث ( ... الكلمة الطيبة صدقة ... ) وهذه الخصائل الحميدة ليست غريبة على نساء وفتيات فلسطين المؤمنات الفاضلات الصابرات الفاعلات الخير قبل وبعد العام ثمانية واربعين شكرا على مشاعرك تجاه المرأة الفلسطينية تحياتى للاخ الفاضل الأستاذ جمال وعائلته ابو مهند الطيب

شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق




A- A A+