رأي في الهجرة - د.محمد خيري عثمان الماضي

بواسطة قراءة 6433
رأي في الهجرة - د.محمد خيري عثمان الماضي
رأي في الهجرة - د.محمد خيري عثمان الماضي

بمناسبة مرور ذكرى الهجرة النبوية الشريفة العطرة هذه الحادثة التي نقلت الدعوة الإسلامية تقريبا من الدعوة السرية الضعيفة إلى الدعوة العلنية الواضحة من مرحلة الضعف والخوف إلى مرحلة إلى مرحلة القوة والانتقال الفعلي لبداية إنشاء الدولة الإسلامية الأولى دولة المدينة المنورة التي تمكنت بعد سنوات قليلة فقط من أن تهزم اكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمان ألا وهي الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية ولولا هذه الخطوة الجبارة والتي بالتأكيد جاءت بإرادة الله سبحانه وتعالى لما وصل الإسلام إلى ما وصل إليه الآن من انتشار في كل بقعة من بقاع الأرض وقبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة كانت هناك هجرة قد سبقتها ألا وهي هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة حيث بعد أن زاد الاضطهاد والتعذيب والملاحقة والمجاهرة وعدم قدرة الصحابة على أداء عبادتهم بطريقة سليمة والخوف على حياتهم طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجد لهم حلا فقال لهم : (( لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده
أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه )) [الألباني] ، والذي أثار انتباهي ألا وهو لماذا لم يطلب الرسول عليه وعلى اله وصحبه أفضل الصلاة والسلام من أصحابه الهجرة إلى بلاد الشام أو بلاد العراق والتي أيضا كان فيها ملوك نصارى وكانوا عربا يحملون نفس اللغة والثقافة والتاريخ المشترك بل وكانت هناك علاقة تبادل تجاري واقتصادي بين مكة والعراق وبلاد الشام كما جاء ذلك في القرآن الكريم { لإيلاف قريش . إيلافهم رحلة الشتاء والصيف } [قريش 1-2] ، فرحلة الشتاء كانت إلى اليمن والصيف كانت إلى العراق أو بلاد الشام ورغم بعد المسافة بين مكة والحبشة وخطورة الطريق خاصة وانهم يعبرون البحر الأحمر في طريقهم إلى الحبشة والحقيقة ان الجواب فيما أظن ان النجاشي ملك الحبشة كان نصراني الانتماء مسلم العقيدة وكان يفهم الدين المسيحي كما نفهمه نحن المسلمون من أن المسيح عليه السلام كان بشرا رسولا لهداية البشرية ولم يكن إلها أو ابن إله أو ثالث ثلاثة ، لذلك فإن المسلمون المهاجرون إلى الحبشة سوف لن يعانوا في أداء عبادتهم في الحبشة لاختلاف طرق العبادة مع النصارى حيث نعلم ان النصارى الآن وفي بلاد الشام في زمن الغساسنة أو المناذرة في العراق كانوا يعتبرون المسيح عليه السلام إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة ولذلك لو هاجر الصحابة إلى بلاد الشام فسوف يعانون نفس المعاناة التي يعانونها في مكة وسيتعرضون لنفس العذاب والاضطهاد والقتل لذلك كانت هجرتهم إلى الحبشة وهي المفضلة وأكبر دليل على ما نقول ان الرسول عليه وعلى اله أفضل الصلاة والسلام عندما وصله خبر وفاة النجاشي صلى عليه صلاة الجنازة وهذا يؤكد ان النجاشي أسلم وشهد أنه لا إله الله وأن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول الله ، وكلنا نعلم موقف النجاشي من المناظرة التي جرت بين عمرو بن عاص قبل أن يسلم وجعفر ابن أبي طالب . حيث حاول عمرو استرجاع المهاجرين إلى مكة ورغم الهدايا التي قدمتها قريش إلى النجاشي إلا انه رفض إرجاع المهاجرين وقال لهم اذْهبوا فَأنتم سُيُومٌ بِأَرضِي ، وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ ، أما هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فكانت عملية منظمة ومرتبة فبعد أن آمن وأسلم عدد كبير من أهل يثرب ووقعوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم العهود على أن يحموه هو والمهاجرين بأموالهم وأنفسهم وأولادهم وأن يكون هو الحاكم وليس المحكوم وهو المطاع وليس الطائع وهو الآمر والناهي وما عليهم إلا الطاعة الكاملة وان يقاتلوا معه وان يدافعوا عنه حتى لو كلفهم ذلك استئصالهم ولولا ذلك لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب التي سميت بعد ذلك مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهكذا تكون الهجرة فلا هجرة عشوائية إلى أي مكان دون أي حساب إنما الهجرة التي تحافظ على ديننا وثقافتنا وهويتنا ولا تتعرض إلى الضياع والذوبان مع أهل البلاد التي نهاجر إليها ، درس أتمنى أن نتعلم منه وهذا رأي بسيط في الهجرة .

 

بقلم : د.محمد خيري عثمان الماضي

28/11/2011

 

حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"