عندما عرفوا حقه ومنزلته عليه الصلاة والسلام – أيمن الشعبان

بواسطة قراءة 5195
عندما عرفوا حقه ومنزلته عليه الصلاة والسلام – أيمن الشعبان
عندما عرفوا حقه ومنزلته عليه الصلاة والسلام – أيمن الشعبان

مهما أطال منَّا متكلِّم وأسهب، أو فصَّل خطيب وأطنب، أو مدح شاعر ورتب، أو وصف أديب فأبدع ونمق، فلن يوفي نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم حقَّه، ولن يبلغ برسول الله قدره، ولن ينزله منزلته .

إن الله سبحانه وتعالى الذي ( يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )[1]، والذي ( قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا )[2]، قد زكى نبيه صلى الله عليه وسلم في كل شيء؛ زكاه في عقله فقال ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى )[3]، وزكاه في علمه فقال ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى )[4]، وزكاه في صدقه فقال سبحانه( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى )[5]، وزكاه في نقله فقال ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )[6]، وزكاه في بصره فقال ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى )[7]، وزكاه في فؤاده فقال ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى )[8]، وزكاه في صدره فقال ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ )[9]، وزكاه في طهره فقال ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ )[10]، وزكاه في ذكره فقال ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )[11]، وزكاه في حِلمِه فقال ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )[12]، وزكاه بحرصه على أمته فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ )[13]،وزكاه كله فقال ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )[14] .


ومما زادني شرفاً وتيهاً *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمد لي نبيا


ولنتأمل أيها الأحبة مكانة النبي عليه الصلاة والسلام عند ربه عز وجل، عندما تواصت عائشة وحفصة رضي الله عنهن، أيتنا دخل عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام فلتقل: إني لأجد منك ريح مغافير، فقال عليه الصلاة والسلام: لا بأس شربت عسلا عند زينب ابنة جحش رضي الله عنها ولن أعود له، فنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى قيام الساعة ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وما بعدها من سورة التحريم[15] .

والشاهد من القصة قوله تعالى ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا )[16]، والخطاب لعائشة وحفصة رضي الله عنهن، ( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ )[17]، أي: الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره ممن يناوئه مخذول، وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين، حيث جعل الباري نفسه الكريمة، وخواص خلقه، أعوانًا لهذا الرسول الكريم[18] .

وعندما كان أبو هريرة رضي الله عنه يدعو أمّه للإسلام، من شدة حرصه على هدايتها أسمعته يوما ما في رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يكره، فساءه ذلك وذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلب منه أن يدعو لها بالهداية فدعا عليه الصلاة والسلام فأسلمت، فلم يرض أبو هريرة أن يسمع شيئا يسوءه في حبيبه عليه الصلاة والسلام، وهذا لأنهم عرفوا مكانته ومنزلته عندهم[19] .

ولمزيد من معرفة الصحابة حقه عليه الصلاة والسلام ومكانته في قلوبهم، فلننظر إلى هذا الموقف العجيب من صحابي جليل وهو عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول رضي الله عنه، والذي قال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي – أي والده وهو رأس المنافقين- فيما بلغك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، فأجابه عليه الصلاة والسلام: نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا[20] .

ولو ذهبنا أبعد من ذلك لعرفنا حقيقة ومكانة هذا النبي العظيم، في نفوس وكلمات أعداءه، فلنتأمل ما قاله هرقل عظيم الروم لأبي سفيان قبل إسلامه في حوار طويل دار بينهما، قال: فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه[21]، فهل عرفنا حقه واقتفينا أثره حتى نحشر معه صلى الله عليه وآله وسلم ؟! .

حتى الأحجار والأشجار والحيوان عرفوا حقه عليه الصلاة والسلام ومنزلته وهم غير مكلفين، فهو رحمة للعالمين كما وصفه الخبير العليم، فمن آذن النبي عليه الصلاة والسلام بالجن ليلة استمعوا للقرآن هي شجرة[22]، وقال عليه الصلاة والسلام: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن[23] .

وعن أنس قال جاء جبريل عليه السلام ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء قد ضربه بعض أهل مكة فقال ما لك قال فعل بي هؤلاء وفعلوا قال أتحب أن أريك آية قال نعم أرني فنظر إلى شجرة من وراء الوادي قال ادع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه قال قل لها فلترجع فقال لها فرجعت حتى عادت إلى مكانها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حسبي[24] .

كذلك دعا عليه الصلاة والسلام شجرة كانت بشاطئ الوادي وأشهدها ثلاثا فشهدت بذلك[25]، وأيضا دعا عليه الصلاة والسلام العذق من النخلة فجاء ينقر حتى قام بين يديه ثم قال له ارجع فرجع مكانه[26] .

كما أن الذئب تكلم مع الراعي وأخبر بنبوته عليه الصلاة والسلام[27]، وسجد البعير بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام[28]، وكان الطعام يسبح بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يؤكل[29]، وكذا اشتكى جمل وذرفت عيناه عند النبي عليه الصلاة والسلام من صاحبه[30] .

هكذا أظهر لنا وبين ربنا سبحانه وتعالى حقوق ومنزلة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وكذلك حال أصحابه معه، بل شاهدنا كيف شهد له أعداءه ممن أنصف منهم، كما أن الشجر والحجر والحيوان قد عرف منزلة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل عرفنا حقه وأدينا الواجب الملقى على عواتقنا في ذلك ؟!! .

وللنبي عليه الصلاة والسلام علينا حقوق وواجبات، لابد منها لإثبات حقيقة اتباعنا له وطاعته وتوقيره، وليس مجرد دعاوى وشعارات :

1- الإيمان الراسخ به عليه الصلاة والسلام وبرسالته وتصديقه بكل ما أخبر وأتى به .

قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )[31] .

2- محبته عليه الصلاة والسلام أكثر من الولد والوالد والناس أجمعين :

قال عليه الصلاة والسلام ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )[32] .

3- وجوب طاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر .

قال تعالى ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[33] .

4- تعلم سيرته واتباع سنته عليه الصلاة والسلام ظاهرا وباطنا .

قال تعالى ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )[34]، وقال عليه الصلاة والسلام: فمن رغب عن سنتي فليس مني[35] .

5- تعظيمه وتوقيره واحترامه .

قال تعالى ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ )[36] .

6- تأييده ونصرته والدفاع عنه .

الأحاديث كثيرة في نصرة الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام في حياته، ولابد من الدفاع عنه في كل وقت وحين، قال تعالى ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ )[37] .

7- الصلاة عليه كلما ذُكر .

قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[38] .

8- وجوب التحاكم إليه عليه الصلاة والسلام والرضى بحكمه والتسليم به.

قال تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[39] .

9- إنزاله مكانته عليه الصلاة والسلام بلا غلو أو تقصير، وعدم الابتداع في الدين.

قال تعالى ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )[40] .

10- نشر دعوته وسيرته وسنته .

قال تعالى ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )[41]، وقال عليه الصلاة والسلام: بلغوا عني ولو آية[42] .

11- محبة آله وأزواجه وأصحابه وتوقيرهم .

قال تعالى ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )[43]، وقال تعالى ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ )[44]، وقال عليه الصلاة والسلام: لا تسبوا أصحابي[45] .

12- موالاة أولياءه وبغض أعداءه .

قال تعالى ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )[46] .

13- أن لا نتعبد إلا بما جاء به عليه الصلاة والسلام .

قال تعالى ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر )[47] .

 

أيمن الشعبان

14/9/2012

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع " فلسطينيو العراق" ويسمح بإعادة النشر بشرط ذكر المصدر"

 



[1] ( الملك:14 ).

[2] ( الطلاق:12 ).

[3] ( النجم:2 ).

[4] ( النجم:5 ).

[5] ( النجم:3 ).

[6] ( النجم:4 ).

[7] ( النجم:17 ).

[8] ( النجم:11 ).

[9] ( الشرح:1 ).

[10] ( الشرح:2 ).

[11] ( الشرح:4 ).

[12] ( التوبة:128 ).

[13] ( التوبة:128 ).

[14] ( القلم:4 ).

[15] والقصة بتمامها أخرجها البخاري في صحيحه.

[16] ( التحريم:4 ).

[17] ( التحريم:4 ).

[18] تفسير السعدي.

[19] والحديث والقصة مروية في صحيح مسلم.

[20] ولقصة أخرجها الطبري في تاريخ الطبري، وابن هشام في السيرة، والبيهقي في دلائل النبوة.

[21] أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما.

[22] أخرجه البخاري في صحيحه.

[23] أخرجه مسلم في صحيحه.

[24] صحيح ابن ماجة للألباني.

[25] صححه الألباني في مشكاة المصابيح.

[26] أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح.

[27] أخرجه أحمد بسند صحيح.

[28] والقصة صحيحة كما في صحيح الترغيب للألباني.

[29] صحيح البخاري.

[30] صحيح أبي داود.

[31] ( الحديد:28 ).

[32] متفق عليه.

[33] ( الحشر:7 ).

[34] ( الأعراف:158 ).

[35] متفق عليه.

[36] ( الفتح:9 ).

[37] ( التوبة:40 ).

[38] ( الأحزاب:56 ).

[39] ( النساء:65 ).

[40] ( الأعراف:188 ).

[41] ( يوسف:108 ).

[42] أخرجه البخاري.

[43] ( الشورى:23 ).

[44] ( الأحزاب:6 ).

[45] متفق عليه.

[46] ( المجادلة:22 ).

[47] ( النساء:59 ).